صحيفة نخبة السودان الإلكترونية

جديد الأخبار
جديد المقالات

شركة أولاد الهادي



جديد الصور

جديد البطاقات

جديد الفيديو

جديد الصوتيات

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
جرائم وحوادث
عبد الرسول النور : واجهت الموت مرتين وتوجست منه ثلاث مرات
عبد الرسول النور : واجهت الموت مرتين وتوجست منه ثلاث مرات
عبد الرسول النور : واجهت الموت مرتين وتوجست منه ثلاث مرات
كنت قريباً من الموت
12-04-2010 11:28 PM
بقلم : خالد فتحي : جمال ادريس
أي المشارق لم نغازل شمسها ونميط عن زيف الغموض خمارها أي المشانق لم نزلزل بالثبات وقارها إنه الشاعر يساري الهوى علي عبد القيوم ينشد لحنه إلى رفاقه الذين ساروا إلى الموت، على أعواد المشانق أو بفعل الرصاص الحي، لكن هذا على الورق والسؤال كيف يكون الفعل عندما تصبح أنت في مواجهة مع الموت بلا حاجز، كثيرون مروا بهذه التجربة. خطوا عليها بخطى ثابتة وئيدة أو مترنحة متعثرة، منهم من تدلى على الحبل وعبر البرزخ إلى الحياة الأخرى وآخرون أفلتوا بعدما اقتربت خطاهم منه وأولئك من قصدنا ليرووا تجربتهم مع هذا الحبل.

بقلم : خالد فتحي : جمال ادريس

كأنه كان يستعيد جوانب بيضاء مضيئة من ليلة زفافه بالجزء المُنعش للذكريات وليس تفاصيل أيام حالكات السواد مضت لكنها ظلت عالقة بالذاكرة يرويها لك بذاكرة حديدية تفصل الأحداث والأيام والشخوص بطريقة مدهشة كأنما حدثت بالأمس وليس من (34) عاما أو يزيد قليلا، إنه عبد الرسول النور إسماعيل الأنصاري القُح والعميق الانتماء لحزب الأمة حينئذٍ. «الأحداث» جلست إليه في مكتبه الذي انتبذ مكانا شرقيا بالطابق السابع بعمارة «الأخوة» الشاهقة بوسط الخرطوم ليحكي لنا تفاصيل ما جرى وبدأ روايته لقصة اقترابه من الموت وحكايته مع حبل المشنقة قائلا:
لدي قصتان مع الموت والاقتراب من حبل المشنقة وليست قصة واحدة، الأولى كما جئتم تطلبون بدأت تفاصيلها في 2 يوليو 1976م أو كما نسميها نحن الذين خططنا لها وقمنا بتنفيذها بانتفاضة الثاني من يوليو 1976م «المجيدة» أو حركة الغزو الليبي أو المُرتزقة كما أطلق عليها النظام المايوي حينها. وباختصار تتمثل في الأحداث التي هزّت الخرطوم عندما أحكمت الجبهة الوطنية قبضتها على العاصمة لثلاثة أيام قبل أن تمضي لحال سبيلها بعد أن لاذت الإذاعة السودانية بالصمت ولم تعاون الثوار بالحديث إلى الشعب عبرها فكانت انتفاضة عسكرية ناجحة ولكنها «خرساء» حيث لم يعلم مواطنو العاصمة والاقاليم سر صمت الإذاعة وماذا يحدث في الخرطوم في الفترة من الثاني إلى الرابع من يوليو 1976م.
وقتها كنت على وشك التخرج من كلية الآداب جامعة الخرطوم، وكنت مُكلفا بمرافقة العميد محمد نور سعد قائد الجناح العسكري للانتفاضة بعد أن نحجت في إحضاره مُتخفيا من الحدود الشرقية إلى منزل السيد عبد الله الفاضل المهدي الكائن بشارع البلدية بقلب الخرطوم في 19 مايو 1976م، وبعد فشل الحركة كنت ضمن الذين يحاولون جمع شتات المُقاتلين للمزيد من المقاومة بعد الرابع من يوليو حيث جرى اعتقالي في مدينة ود مدني وأنا أحاول الاتصال بشتات القوات التي هاجمت الخرطوم واستفسر عن الطريق الذي سلكه العميد محمد نور سعد في ود مدني، وقتها كان النظام المايوي قد بث عيونا كثيرة لمراقبة أي شخص غريب ورصد تحركاته، وفيما أذكر أن اعتقالنا كان بالسوق الشعبي بمدني حيث وصلنا إليه أنا وحسن حضرة الناشط بالحزب الاتحادي الديموقراطي في طريق عودتنا إلى الخرطوم بعد أن استطعنا تأمين النائب آدم عبدالقادر «نائب دائرة الأبيض عن حزب الأمة القومي في 1965- 1968» وكان مطلوبا من قبل الأجهزة الأمنية وأوصلناه أنا وحضرة إلى القضارف تمهيداً لتهريبه إلى إثيوبيا، ونحن على وشك الدخول إلى البص المُتجه إلى الخرطوم جاء نحونا رجل مسرع وخلفه عناصر من الأمن والشرطة وأشار نحونا قائلا : «ياهم ديل» فطلبوا منا النزول من البص والذهاب معهم حيث أخذونا إلى سجن مدني للاشتباه فينا وقضينا ليلة واحدة فيه قبل نقلنا إلى سجن كوبر وهناك تم حبسنا في الزنازين الغربية دون أن تكون لديهم معلومات عنّا بعد أن ظهرت بمظهر الطالب المُسالم.
لكن الوضع تغير تماما بعد أن وضعوا أيديهم على معلومات أولية تمثلت في رسالة عثروا عليها وسط أوراق أحد المُشاركين في الحركة الذين تمكنوا من الفرار «لا داعي لذكر اسمه»، والرسالة كانت موجهة من العميد محمد نور سعد إلى السيد الصادق المهدي يشكرني فيها على إيصاله سالما من الحدود إلى منزل عبد الله الفاضل المهدي بشارع البلدية بالخرطوم وكانت الرسالة لا تعني شيئا للأمن لأن الأسماء كانت فيها حركية حيث جاء على النحو التالي من بُشرى وهو «محمد نور» إلى عبد الواحد «الصادق المهدي» مكرر إلى العم عبد الله وهو الإسم الحركي لـ»الشريف حسين الهندي» أما «عابد» فكان اسمي حركياً في الرسالة وظلت الأوضاع كما هي عليه حتى وجدوا مفتاح الأسماء أو حل شفرة المُشاركين في الجبهة الوطنية عند أحد المُعتقلين.
والغريب أنهم قبل فك الشفرة ألقوا القبض على نقيب طيار يُدعى «بشرى» وضربوه حتى شارف على الموت لاعتقادهم أنه قائد الحركة لكن بعد فكّها وفك رموز الأسماء تغيرت وجهة التحقيق حيث كانوا يرغبون في معرفة الأشخاص الذين استضافونا طوال الطريق من الحدود الشرقية إلى الخرطوم للوصول إلى خلايا الأنصار النائمة، وتعرضت لعذاب «الهُدهد» بعد تحويلي من مُشتبه إلى متهم لكن العميد محمد نور أنكر تماما صلته بي أو معرفتي عند مواجهتنا نحن الاثنين حيث أصرّ على أنه لايعرفني ولم يلتق بي من قبل.
لكن الضرب والتعذيب كانت لهم حسنات تجسدت في تأخير عرضي للمحكمة العسكرية التي عُقدت لمحاكمة محمد نور لأن صحتي ومظهري لم يكونا يسمحان بمثولي أمام المحكمة وبالتالي لم يتمكنوا من تقديمي للمحاكمة إلا في الأول من سبتمبر 1976م أي بعد شهرين من تفجر الأحداث أمام قُضاة المحكمة الخامسة، وقتها كانت حكومة الرئيس الأسبق جعفر نميري قد تعرضت للكثير من الضغوطات الدولية للإعدامات التي طالت المحكومين في المحاكم الأربعة التي سبقت، لذا أعتقد أننا حوكمنا في ظروف أفضل، وأذكر أننا كُنا (25) مُتهما تحت المادة (6) (أ)،(ب)،(ج) من قانون العقوبات وتتعلق بالخيانة العظمى والتخابر مع دولة أجنبية والعمل على تقويض النظام الاشتراكي الذي أقامته ثورة مايو واستغرقت جلسات المحكمة (13) يوما، بينما الأربعة السابقة كانت تجري في ساعات وعهدت رئاسة المحكمة إلى العقيد عمر أحمد إبراهيم وعينت الحكومة ضابطين برتبة المُقدم من الجيش ونقيب بالشرطة لتولي الدفاع عنّا في حين كان يمثل الاتهام مُستشار يدعى «يس» من أبناء مدينة عطبرة ومن أشهر المُتهمين كان المحامي علي محمود حسنين الذي استفدنا غاية الاستفادة من استشاراته القانونية بجانب العميد سعد بحر و إبراهيم أحمد عمر أبو جدي.
وأعلن الحكم في 15سبتمبر 1976م وحُكم بالبراءة على (4) متهمين وبأحكام متفاوتة على مجموعة من المتهمين والإعدام على سبعة متهمين كنت واحدا منهم لكن جرى تخفيف الحُكم علينا للسجن المؤبد على ثلاثة مدانين كان من حظي أن أكون أحدهم وجرى تنفيذ الإعدام على أحمد أبو جدي وأحمد سليمان المشهور بالسكرتير وكان مسؤولا عن الإسناد اللوجستي، وتوفير وسائل الانتقال والحركة للمُقاتلين كما أُعدم عبد الله ميرغني وعبد الفضيل ابراهيم وكانوا زملائي من تنظيم الإخوان المسلمين ودون إبطاء وبالتحديد في فجر اليوم التالي تم تنفيذ الحكم بالإعدام شنقا حتى الموت عليهم وكنا نُتابع التفاصيل لحظة بلحظة ونحن محبوسون بالزنازين الشرقية المجاورة للمشنقة.
قلت له هل كنت خائفا؟ أجاب قائلا: لا على الإطلاق لأن مشاعر الحياة والموت اختلطت في دواخلي بدرجة غريبة وبطريقة لا يمكن وصفها لدرجة أنني وصلت مرحلة يمكنني وصفها بحالة اللا شعور ولعل أبلغ دليل على ما أقول أن الحُكم صادف شهر رمضان وكُنا صائمين وحتى منتصف الليل لم نُعط حتى جرعة ماء لنفطر لكننا لم نحس بشئ وقتها وعندما حُكم علينا بالإعدام جاءوا بعد قليل وقاموا بفصلنا نحن الثلاثة من بقية السبعة الذين حكم عليهم بالإعدام، دون أن يخبروننا أن نميري قد خفف الأحكام من الإعدام للسجن المؤبد، ولما لم نكن ندري شيئا عن التفاصيل بدأنا في التخمين بأننا متهمون في القيام بحركة عسكرية ويُحتمل إعدامنا رميا بالرصاص، وأخذنا نفاضل أيهما أفضل «الشنق» أم «الرصاص»، يا للغرائب الغرائب أصبح الموت صديقنا ويا له من صديق كما يقول المُتنبئ «كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا، وحسب المنايا أن يكن أمانيا».
وبعد مرور يوم جاء رئيس المحكمة العسكرية لسجن كوبر وأدخلونا نحن الثلاثة إلى مكتب مديرالسجن وسط حُراس مدججين بالسلاح وهناك أبلغنا الرجل أن رئيس الجمهورية جعفر نميري صادق على تخفيف عقوبة الإعدام ضدنا إلى السجن مدى الحياة فقلت له دون وعي (حياة من؟) وانتهرني رئيس المحكمة فلذت بالصمت بعدها بدأت إرادة الحياة تغلب علينا وبدأ يراودنا الشعور بالخوف من أن يغير قادة الحكم يومها رأيهم ويقوموا بإعدامنا والمرة الأولى التي انتباني الخوف فيها كانت عندما نوديت للاستماع إلى وصايا الأخوين عبد الله ميرغني وعبد الفضيل إبراهيم وللحق والأمانة والتاريخ كانا أقوياء وواجهوا الموت بشجاعة وإيمان شديد وطلبا مني أن أبلغ ذويهم أنهما أقدما على ما قاموا به بقناعة تامة وأنهما راضيين تماما فيما وصلا إليه بأن دفعا أرواحهما ثمنا لما آمنا به.
وبعد يومين عاودني الإحساس مرة ثانية بعد أن ازدحمت الزنزانة وقاموا بنقلي إلى زنزانة قريبة من المشنقة واعتراني إحساس أنهم غيروا رأيهم ويودون اعدامي وحاولت أن اسألهم سؤال ذكي لتهدئة مخاوفي التي زادت عند إجابتهم عليه فلما سألتهم قائلا»عندي حبوب رعاف في الزنزانة أشيلها معاي» فردّوا علي «ما بتحتاج ليها» فأيقنت أن الموت قادم لا محالة.
أما المرة الثالثة فعندما طلبت للشهادة أمام المحكمة العسكرية لصالح بعض طلاب جامعة الخرطوم الذين اتهموا في الأحداث وطلبوا شهادتي بصفتي رئيسا للجبهة الوطنية بالجامعة وأمر القاضي جنوده بأن «يدقوا» لي القيود في قدمي ويدي دون أن أعرف لماذا، ومن غرائب الصدف أن النزيل الذي قام بدق القيود إلى كان «داموك» وهو أحد أشهر السجناء في ذلك الوقت وكان يقضي عقوبة السجن المؤبد على ذمة قضية جنائية، وكان شخصا ضخما وقوي البنيان وكان من خصاله أن يضرب قدم السجين بالشاكوش لإيذائه أثناء دق القيود متظاهرا بانه لا يقصد ومكثت جالسا في أريكة قرابة العشر دقائق مروا علي كأنهم عشرة أشهر لأنني لم أكن عالما بما يحدث كما أنني كنت أعلم تمام العلم أن نميري رجل متقلب الآراء ويمكنه تغيير رأيه سريعا ودون مقدمات منطقية.
بعدها حملوني على متن سيارة «كومر» وذهبوا بي إلى المحكمة لأشهد لزملائي الذين أذكر منهم الدكتور سعيد نصر وخضر فيصل مكي ولا أنسى مطلقا أن ساقي التي كانت الدماء لا تزال منها تسيل منها أبكى زملائي الذين كانوا داخل المحكمة.
وبعد شهر أخرجونا من الزنازين وقيدونا وأركبونا سيارات وانطلقوا بنا إلى وجهة غير معلومة وعند طلوع الفجر وجدنا أنفسنا داخل سجن الدويم وهناك قضيت عاما تقريبا حتى أُطلق سراحنا في أعقاب المصالحة الشهيرة بين نميري والصادق المهدي في 7/7/1977م. أما المعاملة فكانت سيئة للغاية نتيجة لإحساس الأجهزة الأمنية والعدلية بالمرارات بعد يوليو 1976م وعلى سبيل المثال كانت طريقة الأكل أن يتم وضعه خلف القضبان وهذا مايسمونه الحبس الشديد مع التكدير لكن بعد حبسنا في سجن الدويم تحسنت المعاملة.
والسبت القادم نحكي عن تفاصيل القصة الثانية وفيها نقرأ:
اعتقلوني من منزلي بشمبات وظللت معصوب العينين لأسبوع كامل.
علمت بأننا متهمون في محاولة انقلابية من صبي يرعى الأغنام بالقرب منا.
{}{

تعليقات 65535 | إهداء 0 | زيارات 6302


تعليقات الفيس بوك

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
2.22/10 (35 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع المواضيع والمقالات والردود المكتوبة تعبّر عن رأي كاتبها ... ولا تعبّر عن رأي إدارة موقع نخبة السودان