رئيس التحرير

قانون الهجرة الدولي: عالمي وجميل لكن ماذا عن واقعيته؟

الأربعاء 12-06-2019 07:53

كتب

خلال الأسبوع الماضي استمعت لمداخلات مفيدة قدمها متخصصون في موضوع الهجرة من المعهد الدولي للقانون الإنساني، حول الأطر التي تحكم ما بات يسمى بالقانون العالمي للهجرة (IML) وطرق تحويلها إلى سياسات دولية وإقليمية وقُطرية.
المعهد ذو السمعة الدولية، الذي يتخذ من «فيلا أورموند» التاريخية التي تقع في قلب مدينة سان ريمو الإيطالية مقراً له، كان يضع على عاتقه مهمة تحليل وبحث موضوع الهجرة ومتعلقاته، عبر إشراك أكبر قدر من المهتمين. لتحقيق هذا الغرض لم يكن المعهد يكتفي بأن يدعو لفعالياته فقط الشخصيات الأكاديمية أو القانونية المتخصصة، بل كان يوسّع من حلقة هذه الدعوات، بحيث تشمل سياسيين ورجال داخلية وموظفي هجرة ودبلوماسيين، وحتى رجال جيش من بلدان مختلفة، بحيث يجمع قدر المستطاع، جميع من يمكن أن يكونوا طرفاً.
بحسب كلوديو ديلفابرو مدير قسم الهجرة واللجوء في المعهد، فإن الجهد الذي يقومون به يأتي في كثير من الأحيان بثمار محمودة، على الأقل فإن نظرة أغلب المشاركين للمهاجرين تتغير بعد استماعهم للحقائق المجردة حول الموضوع. هذه الحقائق تتعارض، في كثير من الأحيان، مع المسلّمات التي يتم ترديدها في الإعلام بلا تفكير عن المهاجرين الذين يأخذون الوظائف، أو عن أولئك الذين أتوا لينقضّوا على مجتمعات غيرهم مغيّرين ثقافتها وطريقة حياتها. حتى إن كنت مهتماً أو متابعاً فإن التذكير بجوانب قانون الهجرة الدولي، وما يغطيه من مساحات من أجل فرض الكثير من الالتزامات الإنسانية على الدول، سوف يكون له أثر كبير عليك، ولن تعود تنظر للأمر كما كنت تنظر إليه سابقاً.
إن الأزمة السورية، وربما بشكل أوسع الأزمات في منطقة جنوب البحر المتوسط، هي ما يتبادر للذهن اليوم، إبان الحديث عن الهجرة كمشكلة أو تهديد، لكن علينا أن نتذكر أنه في منتصف القرن العشرين، حينما كانت تولد تلك المنظمات والهيئات والقوانين المتابعة لمسائل الهجرة والنزوح واللجوء، فإن الأزمة الأكبر التي كانت تتبادر إلى الذهن حينها كانت الأزمة الأوروبية، حيث كانت أوروبا تعاني من كارثة إنسانية غير مسبوقة، بسبب الحرب العالمية التي خلّفت الملايين من الضحايا على طول وعرض حدودها. العودة إلى التاريخ وتحولاته مهمة، فهو سيخبرنا بأن مواطني بعض الدول التي يتضجّر سياسيوها اليوم من الوافدين، كانوا، في وقت سابق هم أنفسهم، إما لاجئين أو مهاجرين أو مغتربين في دول أخرى، وأنه لو كانت الحدود مغلقة آنذاك في وجوههم، كما يرغبون في إغلاقها في وجه «الغرباء» اليوم، لحدث لآبائهم أو لأجدادهم ما لا يحمد عقباه. هذه الحقيقة مهمة ومنطبقة، للأسف، حتى على بعض السياسيين العرب، الذين لم يعودوا يخجلون من إعلان رفضهم للأجانب، بمن فيهم جيرانهم العرب، بحجة الحفاظ على الهوية الوطنية.
إن قانون الهجرة الدولي ينطلق من منطلقات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نفسها، ويُبنى على ما اتفق الجميع عليه وهو الحق في التنقل، فمن حق إي إنسان أن يغادر مكان إقامته، حتى لو كان بلده الأصلي، كما أن من حقه أن يعود إليه متى شاء.
أما الهجرة من أجل تحسين شروط الحياة، أو خوض تجارب جديدة فهي أيضاً أمر تكفله القوانين الدولية، التي تم تجميعها ضمن قانون الهجرة. بهذا الشكل لا تكون مسألة «الهجرة بدوافع اقتصادية» سُبة لأصحابها، أو وسيلة للتقليل من شأنهم، أو من حججهم في سبيل انتقال مؤقت أو دائم من مكان لآخر. بشكل بسيط يذكّر قانون الهجرة الدولي بأن المهاجر قبل كل شيء هو إنسان له حقوقه، وهي حقوق أساسية لا مبرر لانتزاعها، بغض النظر عن وضعه القانوني والشرعية التي وُجد عبرها في هذا المكان أو هذا البلد.

على ذكر الشرعية فإنه ربما يكون من المثير القول، إن مصطلح «الهجرة غير الشرعية» ورغم سعة انتشاره في الأدبيات السياسية وفي الإعلام، لا وجود قانوني حقيقي له، بل يستعاض عن هذه الكلمة بمصطلح أخف وهو الهجرة غير المنتظمة أو غير النظامية، أي تلك التي لا تتبع القنوات الرسمية المتمثلة في الحصول على تأشيرة والدخول عبر المنافذ الطبيعية والإجراءات الرسمية. في عرف قانون الهجرة الدولي فإن هذه «الهجرة غير النظامية» لا تعد جريمة، ويجب عدم معاملة أصحابها كمجرمين أو خارجين عن القانون، بل مجرد متجاوزين للإجراءات الإدارية، أما إذا كان أولئك المهاجرون قد عبروا الحدود مرغمين، خوفاً على حياتهم أو بحثاً عن مأمن فإن لا تبعات قانونية عليهم البتة.
يذهب تفسير القانون هنا إلى مدى أبعد، حيث يعتبر أن هجرة أولئك كانت واجبة بشكل من الأشكال عليهم حماية لأنفسهم وذويهم، وإذا كانت هذه الهجرة الواجبة لا تتم إلا عبر مخالفة قانونية مثل، تزوير جواز سفر أو تأشيرة، أو التسلّل عبر الحدود باستخدام سيارة مسروقة أو غير ذلك، فإن كل هذا يعتبر واجباً كذلك، باعتبار أن ما لا يتم الواجب إلا به يصبح هو الآخر واجباً، ومن هنا سوف يتولّد مصطلح قانوني آخر هو «عدم المحاسبة»، أي حتى بعد هذه المخالفات التي قد تعد كبيرة في الظروف العادية، فإنه يجب عدم التعامل مع المهاجرين الباحثين عن نجاة وحياة كمجرمين.
هناك أمر آخر حسمه القانون الدولي للهجرة، حيث اعتبر أن مسألة البحث عن «مأمن» لا تقتصر على مسألة الأمان السياسي والإفلات من الاضطهاد، بل تشمل نواحي أخرى، كالأمان البيئي، خاصة إبان الكوارث، والأمان الاقتصادي أو الاجتماعي، فيجب أن لا تقبل الدول بشكل حصري اللاجئين السياسيين المطاردين من قبل أنظمة قمعية وتترك ما عداهم ممن يحتاجون بالفعل إلى دعم ومساعدة.
لقد صادقت معظم الدول على مبدأ «عدم الإرجاع القسري» للاجئين إلى الدول أو الأماكن التي قد يتعرضون فيها للاضطهاد أو التعذيب، حتى أصبح ذلك المبدأ يمثّل قاعدة عالمية يجرّم من يخترقها من الدول، حتى لو عمدت إلى نقل ذلك اللاجئ إلى بلد ثالث، لكنه غير محايد، أي عازم على إعادته إلى حيث يتعرض للملاحقة أو التعذيب. في نواحٍ كثيرة يتماهى قانون الهجرة مع القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يعتبر أن من واجب الدول أن تحافظ على كرامة وحقوق جميع قاطنيها، بغض النظر عن خلفياتهم ووضعهم القانوني. هذه النقطة تلفت الانتباه بشكل خاص للإجراءات المرتبطة بالتعامل مع اللاجئين والمهاجرين الذين يعاملون في أوقات كثيرة كمجرمين، من حيث احتجازهم في ظروف غير إنسانية وتعريضهم للإهانة والإساءة. سوف يتداخل قانون الهجرة الدولي مع قوانين أخرى كذلك، كقوانين البحار الدولية، بحيث يحدد واجبات جديدة على قائد المركبة البحرية، ملزماً إياه بإنقاذ وانتشال كل من يجده في طريقه من أشخاص ضائعين أو معرّضين للخطر.
لكن أسئلة مهمة مرتبطة بهذه النقطة تبرز هنا، كالسؤال عمن يدفع تكلفة التأخير في حالة السفن التجارية الكبرى التي تتحرك، كما هو معلوم، وفقاً لمسارات موقوتة؟ وكيف يمكن أن يكون كل ذلك ممكناً في عالم يتم فيه توجيه تهم الخيانة الوطنية لبعض المنظمات والمتطوعين الذين يعملون على إنقاذ بائسين من الموت المحتوم في عمق البحار؟

اضف تعليق

الحصاد- السودان.. ترقب لنتائج اجتماع القصر