رئيس التحرير

م. عبدالعظيم محمد صالح: تاج السر مصطفى أهدر 500 مليون دولار لبيعه أصول مؤسسة الاتصالات لتنظيم الأخوان المسلمين

الأحد 26-05-2019 09:15

كتب

كشف الخبير في مجال الاتصالات والمستشار لعدد من الشركات البريطانية والسعودية، المهندس عبدالعظيم محمد صالح، عن إهدار وزير المواصلات الأسبق تاج السر مصطفى مبلغ 500 مليون دولار بتقييمه المجحف والمتعمد لأصول مؤسسة الاتصالات السلكية واللاسلكية لبيعها لتنظيم الأخوان المسلمين بمبلغ ستين مليون دولار فقط. وقال إن اللجنة التي كونها الوزير الأسبق تاج السر مصطفى لتقييم أصول السلكية واللاسلكية مطلع عقد التسعينيات من القرن الماضي، حددت مبلغ 560 مليون دولار غير أن الوزير رفض تقييم ثلاث لجان واختار بيعها بمبلغ ستين مليون دولار فقط، مبيناً أن سيطرة النظام البائد الكلية على قطاع الاتصالات حرمت البلاد من موارد ضخمة، وفي المساحة التالية نستعرض إجابات الدكتور مهندس عبدالعظيم على أسئلة «الانتباهة» :
> نرجو في البداية التعرف على سيرتك الذاتية ؟
< أشكركم على هذه السانحة وانتم تنقبون مع المختصين عن فترة النظام البائد التي جاءت كارثية على الاصعدة كافة، فيما يتعلق بسيرتي الذاتية فانا خريج كلية الهندسة بجامعة الخرطوم تخصص اتصالات، ووصلت درجة المستشار في هذا المجال، حيث درست وعملت ببريطانيا وكنت اعمل في مركز ابحاث شركة “جي سي ” ووصلت الى وظيفة كبير باحثين ثم عملت مستشاراً بشركة امريكية “ينونتال العالمية ” التي كان لها عقد في مجال الاتصالات مع وزارة البرق والبريد والهاتف السعودية وحينما انتهى عقدها انتقلت للعمل مع شركة ايطالية وهي “ايطال كيبل”.
> عملت في المملكة العربية السعودية مستشاراً لوزارة الداخلية ؟

< نعم انتقلت بعد ذلك للعمل مستشاراً لمركز المعلومات الوطني بوزارة الداخلية السعودية وهو يعد اكبر مركز تقنية معلومات في الشرق الاوسط، ويؤدي مهام الميكنة الالية لوظائف ومهام الوزارة، وفي السعودية عملت ايضاً في جامعة الامير نايف للعلوم الامنية منتدباً من مركز المعلومات الوطني كما توليت منصب المدير العام ومدير تطوير الاعمال في عدد من الشركات السعودية، وتبوأت منصب مستشار بهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية وهي المنظم المسؤول عن قطاع الاتصالات بالسعودية وبعدها عدت الى السودان قبل عام .
> عملت قبل هجرتك مهندساً في الهيئة العامة  للاتصالات السلكة واللاسلكية ؟
< نعم ،عملت لمدة ثلاثة اعوام وستة اشهر في وظيفة مهندس مايكرويف واخر عمل توليته وانجزته كان مايكرويف تلفزيون ولاية الجزيرة، وفي ذلك الوقت كان عدد المهندسين يتجاوز الاربعة الاف وخمسمائة، وهنا اشير الى انني وبعد عودتي الى السودان انشأت شركة تعمل في مجال الاتصالات وانظمة الامن الالكتروني.

> بوصفك خبيراً في مجال الاتصالات ،كيف تنظر إلى مراحله في السودان خلال الثلاثين عاماً الماضية ؟
< رغم بعدي عن البلاد جغرافياً الا انني كنت اراقب باهتمام ما يدور في هذا القطاع الاستراتيجي وكثيراً ما شعرت بالالم والاسف لاهدار المال العام في هذا القطاع الذي يعتبر من اهم موارد الدول الاخرى وله نسبة عالية في الدخل القومي، ففي السعودية يعد مصدر الدخل الثاني وهذا يعني انه يدر اموالاً للمملكة تفوق تلك التي يدرها الحج والعمرة التي تتجاوز العشرة مليارات دولار في العام، وهذا يعني انه كان من الممكن ان يكون مصدر الدخل الاول في السودان.
> ولماذا ليس لهذا القطاع إسهام في الموازنة العامة بالسودان؟
< توجد عدد من الاسباب التي تقف حجر عثرة امام الاسهام الحقيقي لهذا القطاع في الموازنة العامة للبلاد ابرزها الخصخصة الجائرة التي تعرض لها ،بالاضافة الى سياسة الاقصاء والتمكين التي انتهجها النظام المباد الذي اضاع على البلاد موارد ضخمة كان من شأنها ان تضعنا في مصاف الدول الثرية .
> ماذا تعني بالخصخصة الجائرة ،فالنظام البائد يباهي بإنجازاته في مجال الاتصالات ؟
< ادعاؤه لا اساس له من الصحة ومجرد ذر للرماد في العيون، الحقيقة تؤكد ان الخصخصة التي انتهجها اهدرت على البلاد موارد ضخمة ،فعقب انقلابهم على الديمقراطية الثالثة تولى تاج السر مصطفى امر وزارة المواصلات التي كان يتبع لها قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية وفي ذلك الوقت كان هذا القطاع كان يضم افضل الكفاءات في القارة الافريقية والعالم العربي خاصة في قسم التخطيط الذي وبعد جهد علمي متقدم انجز منسوبوه ثلاثة عشر تقريراً للارتقاء بخدمات الاتصالات بالسودان حتى تكون الافضل في افريقيا، علماً بان السودان يعد اول دولة افريقية انشأت محطة اقمار فضائية وكان ذلك عام 1964 ومن اول الدول التي انشأت نظام اقمار صناعية يربط كل الاقاليم ولا يزال يعمل.

> في ذلك الوقت تقدمت الاتصالات الألمانية بعرض جاذب لتطوير هذا القطاع بالسودان ؟
< نعم ،هذه حقيقة وتمثل العرض الالماني في عقد توأمة مع الاتصالات السودانية وكان الالمان يريدون تطوير الاتصالات في السودان وجعلها في مصاف الدول المتقدمة، وفي ذلك الوقت كانت الاتصالات السودانية تمتلك عشرين مليون دولار بالخارج من حسابات المقاصة العالمية ووقتها كان مبلغاً ضخماً في العام 1990 وكان الالمان يريدون استثمار اكثر من احد عشر مليون دولار في قطاع الاتصالات ولكن للاسف لم يجدوا استجابة، علماً بان قطاع الاتصالات في ذلك الوقت كان يتحمل الاعباء المالية لثلاث وزارات سيادية بالاضافة الى رفده الخزانة العامة باموال مقدرة رغم ان الشبكة لم تكن متسعة ومعلوم ان الثلاثة عشر تقريراً كان هدفها توسعة الشبكة وادخال تقنية الموبايل ،ورغم كل ذلك الا ان النظام الحاكم وحينما رأى الامكانيات الضخة لهذا القطاع سال لعاب تنظيمهم وقرر شراء هذا القطاع او جزء منه.
> كيف؟
< عبر الخصخصة التي وكما اشرت سالفاً قد تمت بطريقة جائرة الى ابعد الحدود وخلت تماماً من الروح الوطنية وقبل الاشارة اليها لابد من توضيح كيف حدثت خصخصة قطاع الاتصالات في بريطانيا والتي تمثلت في اتاحة المرونة للتطوير والعمل لشركة “برتش تلكوم ” وذلك عبر تمليكها للشعب حيث تم طرح سعر السهم بواحد جنيه استرليني عبر اتاحة الفرصة في ستين يوماً ليشتري كل مواطن بريطاني الاسهم عبر منافذ بيع تم وضعها في اي مكان لتنتقل الملكية من الدولة الى الشعب .
> وماذا حدث في السودان خلال عهد الوزير تاج السر مصطفى ؟

< تمت الخصخصة عبر الاعلان عن طرح اسهم الاتصالات السلكية واللاسلكية في الصحف لمدة خمسة عشر يوماً وبلغ سعر السهم مائة الف دولار، والمدة الزمنية القصيرة والسعر العالي للسهم كان يعني ان الحكومة قررت بيعها لجهة محددة تمتلك امكانيات عالية وهذا ما حدث حيث اشترتها البنوك الاسلامية التابعة للنظام بالاضافة الى بعض رجال اعمال سودانيين وسعوديين محسوبين على الجبهة الاسلامية، وتم تغيير الاسم الى “سوداتل”، ومن هنا بدأت كوارث الخصصخة حيث تم الاستغناء عن ثلاثة الاف من اميز وابرز المهندسين والفنيين في افريقيا والعالم العربي رغم انهم كلفوا الدولة السودانية مبالغ طائلة في تدريبهم الداخلي والخارجي عالي المستوى.
> وكم بلغت قيمة صفقة البيع ؟
< هنا الماسأة الكبرى والكارثة التي تدمي القلوب، فقد تم تقييم اصول السلكية واللاسلكية بطريقة مريبة وفظيعة، فوزير المواصلات تاج السر مصطفى كون لجنة لتقدير اصول المؤسسة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية واللجنة عملت بامانة وقدرت الاصول بخمسائة وستين مليون دولار غير انه رفض هذا المبلغ واعتبره ضخماً فعمل على تكوين لجنة اخرى واوعز لافرادها بضرورة خفض الرقم وبالفعل كان تقييمها للاصول بمائتين واربعين مليون دولار، وايضاً رُفض، فتم تكوين لجنة ثالثة كان تقييمها بمائة وعشرين مليون دولار، ولكنه ايضاً رُفض فتم تقييم الاصول بمبلغ ستين مليون دولار فقط علماً بان القيمة الحقيقية خمسمائة وستون مليون دولار ليهدر الوزير بذلك على البلاد خمسمائة مليون دولار .
> ماهي أصول مؤسسات السلكية واللاسلكية وقتها ؟
< كانت تمتلك اصولاً ضخمة تتمثل في مبان كثيرة وضخمة بالاضافة الى الشبكات الارضية عطفاً على السنترالات والكبانيات والكوابل، وكانت المباني في كل انحاء السودان، لقد كانت مؤسسة ضخمة الى ابعد الحدود ولكن للاسف تم بيعها بسعر زهيد لا يعبر عن قيمتها الحقيقية .
> ولكن بعد تحولها إلى “سوداتل” شهدت قفزة كبيرة في عملها ؟
< لا.. هنا لا نتحدث عن التطور بل عن الاصول الضخمة التي تم تقييمها بخمسمائة وستين مليون دولار التي اهدرها الوزير تاج السر مصطفى مع سبق الاصرار والترصد لمصلحة تنظيمه السياسي، واعتقد ان سيطرة جهاز الامن على قطاع الاتصالات يعتبر من الاسباب المباشرة لهذه الصفقة علماً بان كل المديرين الذين تعاقبوا على “سوداتل” من جهاز الامن ،ليشهد هذا القطاع فساداً كبيراً بمنح مشاريع التوسعة بمئات الملايين من الدولارات لشركات الاسلاميين وبعضهم كانوا موظفين في “سوداتل” وقد اقتسموا الكيكة التي اشتروها بثمن بخس، اما التطور الذي حدث فانه شمل كل العالم .

> تم بعد ذلك إنشاء شركة “موباتيل” للهاتف السيار وقد أحدثت نقلة ؟
< النقلة كانت عالمية وهذا يعني انها كان ستجتاح السودان حتى ولو كانت المؤسسة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية موجودة، وهنا لابد من الاشارة الى ان شركات الهاتف السيار تمثل اهم مصادر الدخل في الدول من واقع قيمة رسوم الذبذبات “الطيف الترددي” والتراخيص، ومثالاً لذلك فان شركة “موبايلي” السعودية دفعت احد عشر مليار ريال ثمناً للرخصة والطيف الترددي وبعدها جاءت شركة “زين” ودفعت ثلاثة وعشرين ملياراً لذات الغرض للحكومة السعودية وهذا يوضح الدخل العالي لهذا القطاع.
> وكم كان المبلغ الذي دفعته “موباتيل” للترخيص والذبذبات  ؟
< في تلك الفترة كان الاسلاميون يسيطرون تماماً على المجلس القومي للاتصالات وكان على رأسهم الخال الرئاسي الطيب مصطفى، ولذلك فان السعر الذي دفعته “موباتل” غير معروف، فربما تم منحها الترخيص والذبذبات مجاناً او بمثن بخس ،فـ”سوداتل” و”موباتل” كانتا شركتان تتبعان للنظام البائد.
> ثم تم بيع “موباتيل” لشركة “زين” ؟
< للأسف الشديد تم بيعها بثمن بخس بلغ مليار دولار فقط وهذا المبلغ يشمل الذبذبات والتراخيص، والمفارقة هنا تكمن في ان شركة “زين” وحتى تحصل على التراخيص والذبذبات في السعودية دفعت ثلاثة وعشرين مليار ريال لتأتي وتدفع في السودان لذات الغرض واكثر مليار دولار فقط، ولم يتوقف الامر عند هذا الحد فقد أسست شركة “سوداتل” ذراعاً للهاتف السيار “سوداني” ولم يتم الاعلان عن المبلغ الذي دفعته للحكومة ،”هذا ان دفعت في الاصل.
> حديثك هذا يعني أن قطاع الاتصالات كان حصرياً على منسوبي النظام السابق ؟

< نعم ،لم يكن يسمحوا باقتراب شركة لا تنتمي اليهم من هذا القطاع وحتى الافراد كذلك مهما كانت مؤهلاتهم، واذكر انني في العام 1996 فكرت في الاستقرار بالبلاد وخدمتها عبر مجالي في الاتصالات ووقتها كان يعمل في سوداتل كندي من اصل تونسي مسؤول عن المعلومات وتقنيتها وكان راتبه خمسة الاف دولار غير انه ترك العمل وشغرت الوظيفة وتقدمت مثل غيري وخضعت لمعاينات وحققت فيها نجاحاً باهراً ولكن لم يتم استيعابي وعرفت من احد المنتمين للتنظيم ان ممثل اللجنة الامنية في مجلس الادارة اصر على رؤية ملفي وحينما اكتشف عدم انتمائي للاخوان المسلمين تم رفض توظيفي وبالتأكيد فان عدم استيعابي يعود الى حرصهم على عدم دخول شخص لا ينتمي الى التنظيم الاسلامي لهذا القطاع حتى لا يكشف فسادهم واخطاءهم وتجسسهم.
> معنى حديثك هذا أنه لا يمكن معرفة كم تدر شركات الاتصالات لخزانة الدولة ؟
< نعم..هذا القطاع تلفه الضبابية ،ولاتوجد ارقام واضحة ومجرد تقديرات فبعض المواقع تشير الى ان دخل شركة “زين” في العام يبلغ اربعة مليارات دولار، ولكن اعتقد ان الدخل المعلن قليل جداً بالمقارنة مع دخل الشركات الخارجية، والشركات التي تعمل في السودان كان من الممكن ان يكون اسهامها ضخماً في الخزانة العامة الا انها وبخلاف الضبابية حول دخلها فانها لم تعمل على توسعة استثماراتها عبر تقنية الاتصالات وزيادة ونشر الشبكات ونسبة الانتشار في السودان تبلغ 50% فيما تبلغ في السعودية 200%.
> هل يعني هذا عدم تطور التقنيات الأخرى؟
< بالتأكيد التقنيات في السودان لم تتجاوز الجيل الثالث وكذلك الانترنت الذي لم يشهد تطوراً وانتشاراً في كل انحاء البلاد بسرعات عالية واسعار في متناول الجميع وللاسف السودان لا يملك خطة لتوسعة حزمة الانترنت التي تعد متواضعة مقارنة مع الدول الاخرى، ورغم وجود بدايات في العمل بالجيل الرابع الا انه محصور في المدن الكبرى كما انه لا يعمل بكل خصائصه وامتيازاته والعالم يتحدث حالياً عن الجيل الخامس الذي يمثل نقلة نوعية عن الاجيال السابقة لانه مختلف كلياً وهذا يجعلنا متأخرين عن كل دول العالم في مجال الاتصالات.
> وماهو المطلوب للحاق بركب التقدم والتطور العالمي في مجال الاتصالات ؟
< في العهد الجديد فان المطلوب على الصعيد الاداري والمالي مراجعة الخصخصة من بدايتها لمعرفة اصول المؤسسة السلكية واللاسلكية بالاضافة الى المشاريع التي تم تنفيذها في عهد “سوداتل” والكيفية التي تمت بها ،وايضاً معرفة كم دفعت الشركات العاملة نظير التراخيص والذبذبات ،لابد من تفعيل دور جهاز تنظيم قطاع الاتصالات والبريد لانه الجهة التي تضع الاهداف والخطط القومية والعمل على ان تكون المنافسة حرة وعادلة وهذا يسهم في استقطاب المزيد من المستثمرين في هذا المجال الحيوي ، كما انه من المهم ان يكون للدولة كلمة ورأي في تعيين مديري شركات الاتصالات ،واعتقد ان وضع الخطط التطويرية في مجال الهاتف السيار والانترنت والخدمات الاخرى امر هام ،وكذلك معرفة كيفية تخلص الحكومة من اسهمها في “سوداتل”، وكل ذلك من اجل ايقاف هدر المليارات من الدولارات في العهد البائد لان هذا القطاع اذا شهد تنظيماً من شأنه أن يرفد البلاد بمليارات الدولارات سنوياً.

 

الانتباهة

التعليقات مغلقة.

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي