رئيس التحرير

الحوار الوطني.. بين مفهومين متناقضين!

الجمعة 21-10-2016 09:04

كتب

حشدت الحكومة السودانية الحشود في الخرطوم الأسبوع الماضي للتوقيع على وثيقة الحوار التي أعدتها الحكومة وحلفاؤها والذين ارتضوا الدخول في ذلك الحوار الذي لم تشارك فيه بقية القوى المعارضة سواء تلك التي وقعت على (خريطة الطريق) وباتت تنتظر بداية حوار جديد على ضوء القواعد التي أرستها خريطة الطريق، أو تلك القوى التي رفضت خريطة الطريق بحسبانها لا تلبي متطلبات الحوار الوطني- وبهذا فإن ما جرى الاحتفال به والاحتفاء بإجازته لا يعدو أن يكون على أحسن الفروض حوارا منقوصا لن يحل أزمة السودان المركبة التي ظل يعيش تجلياتها وتطوراتها على مدى ثلاثة عقود.
(الحوار الوطني) بات مصطلحا سياسيا له قواعده وأسسه وإجراءاته التي لا بد من توفرها لكي ينطبق المصطلح على عملية حوارية تهدف لحل نزاع وطني مستحكم- أهم هذه القواعد والأسس (الشمول) بمعنى أن يكون الحوار (شاملا) على مستوى المشاركة فهو مفتوح لمشاركة كل أهل المصلحة وشاملا على مستوى أجندته بحيث أنه لا يستثني موضوعا، وهذا يقتضي أن يتم الاتفاق على المشاركين وعلى الأجندة وعلى الإجراءات وطريقة اتخاذ القرارات، كما يتم الاتفاق على الجهة التي تدير الحوار والأسلوب الذي يدار به وطريقة الوصول إلى القرارات والالتزام بتنفيذها- هذه هي الخطوات التحضيرية لذلك الحوار ولذلك تكتسب أهمية بالغة بل يرى الكثيرون أنها أكثر أهمية من موضوعات الحوار لأنها تمهد الأجواء للحلول التوافقية وتعيد بناء الثقة التي تآكلت عبر سنوات الصراع الطويلة- والتوافق على كل هذه القضايا الإجرائية يثبت جدية الأطراف ورغبتها في التسوية السياسية واستعدادها للتنازلات المتبادلة- وكثيرا ما أدى ضعف العمل التحضيري وابتسار العمليات الإجرائية إلى فشل الحوار بعد انطلاقته لأن سوء التحضير قاد إلى سوء الفهم الذي جرى في الخرطوم -إذن- هو حوار ولكنه ليس (حواراً وطنياً) بالمعنى الحقيقي للمصطلح لأنه يفتقد كل تلك القواعد الإجرائية المتوافق عليها وفي مقدمتها (الشمول) بحيث لا يستثني أحداً ولا يستبعد قضية، إضافة إلى افتقاره التوافق على الخطوات الإجرائية كخطوة هامة في سبيل إعادة بناء الثقة- وهو بهذا المعنى حوار داخلي بين الحكومة وحلفائها الحاليين وبعض الراغبين في الانضمام لصفوفها ولا بد من التعامل معه على هذا الأساس.
لذلك كان رأي الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والولايات المتحدة وبريطانيا أن الحوار الذي جرى في الخرطوم يمكن اعتباره خطوة أولية يجب أن تتبعه جولة مفاوضات أخرى مع الرافضين- وهذا هو منطق القوى التي تريد إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروع الحوار- أما الاحتمال الثاني فهو أن تكون مخرجات الحوار الداخلي هي نهاية المطاف وهذا يعني أن مشروع الحوار برمته سيتحول إلى مشروع (للمحاصصة) السياسية بين الحلفاء والمشاركين الجدد كل يحاول أن يحصل على أكبر نصيب من (الكيكة)- وقد يكون هذا هو الاحتمال الأقرب فنحن نلاحظ أن الرئيس أمبيكي ولجنته المعنيين بتحويل الحوار الجزئي إلى حوار شامل هم الآن في حالة صمت تام ولم يحضروا تدشين (الوثيقة) ولم يعلقوا عليها- وفي الوقت نفسه لم يحددوا موعداً جديدا لجولة المفاوضات التي تعثرت في بداية جلساته- ربما لأنهم لا يرون ضوءا في نهاية النفق.
مهما يكن أن الحكومة قد احتفت بوثيقتها، والموقعون ينتظرون أن يحصدوا الجوائز وعما قريب قد تبدأ المسيرة بتوسيع البرلمان بتعيين مائتي عضو جديد- أو نحوا من ذلك- في ذلك فليتنافس المتنافسون ويوم يحتدم الصراع حول الكراسي يحق للحكومة أن تردد (واشغل أعدائي بأنفسهم)!
محجوب محمد صالح

التعليقات مغلقة.

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي