رئيس التحرير

شهداء .. المتاريس !!

الخميس 16-05-2019 14:31

كتب

(فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)
صدق الله العظيم

رحم الله شهداء ثورة الشعب، الذين قدموا أراوحهم فداء لوطنهم، في الايام القليلة الماضية، وبعد أن نجحت الثورة، حرصاً على حمايتها، من فض اعتصامها، كمقدمة لتصفية مكتسباتها، وإفشالها، بعد أن أوشكت أن تؤتي ثمارها.. لقد كان هؤلاء الشباب، بحق، في سموق قامة الوطن العزيز، وضربوا أروع الأمثلة، في البطولة، والفداء، والثبات على المبدأ، مما سيسجل معلماً بارزاً، في تاريخ هذا الشعب العظيم. والتحية والإجلال للمصابين الشجعان، الذين نقلت صورهم، وهم يبكون أسفاً، لأنهم لم يلحقوا بإخوانهم، وينالوا شرف الإستشهاد، في معركة الكرامة والشرف. نقف إحتراماً وتقديراً، للآباء والأمهات، الذين أنجبوا وربّوا هؤلاء الابطال، الذين يتدافعون لدى الفزع، ويتراجعون لدى الطمع.
هذا المستوى من التضحية، والعزّة، وتقدير أمر الوطن، لم يكن المجلس العسكري قريباً منه.. لأنه عجز عن حماية هؤلاء المواطنين، السودانيين، العزل، من الرصاص الغادر، الذي أودى بحياتهم بلا رحمة. بل أسوأ من ذلك، أعلن عدم معرفته بالجهة التي قتلت المواطنين الابرياء. كما نفى المجلس العسكري أن تكون قوات الدعم السريع، قد قامت بتلك المجازر. في هذا الصدد أود أن أوضح الآتي:
1-إن الدفع بأن القوات التي كانت ترتدي زي الدعم السريع، وتركب عرباته، مجهولة للمجلس العسكري غير منطقي، وغير مقبول، ثم هو لا يبرئ المجلس العسكري، من تهمة العجز، إذا ثبتت براءته من تهمة التآمر على الشعب. فإذا كان المجلس العسكري، عاجز عن حماية المواطنين، من كتائب ظل، فلماذا قام باستلام السلطة، وهو غير قادر على تبعاتها ؟!
2- ما ورد في خطاب الفريق برهان، من أن هذه المتاريس ليست في مكان الاعتصام، وهي تعوق الحركة، وأن هناك تعويق لحركة القطار، وأن الشباب الواقفين خلف المتاريس، استفزوا الجيش وقوات الدعم السريع ألخ حديث ينقصه الصدق، وعدم الصدق في هذه الظروف الحرجة، يؤدي الى فقدان الثقة. فليس هناك تعويق لحركة القطارات، وهناك اتفاق على فتح الخطوط بين السكة حديد، وقوى الحرية والتغيير. والمتاريس التي تم فيها الضرب، تقع في محيط الاعتصام، وليست في بحري أو أمدرمان أو الحاج يوسف. وهل أي استفزاز مبرر لضرب الرصاص الحي، والشباب على كل حال، قذفوا بالحجارة وشتموا من اطلقوا عليهم الرصاص، فهل يدافع برهان عن القتلة وبرر جريمتهم بأنهم استفزوا ؟!
3-إن هنالك شباباً قتلوا بدم بارد، وكان أملهم أن تنجح الثورة، بالاتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، بعد ان علموا أن هنالك تقدم ملحوظ في المفاوضات.. فإذا كان الفريق برهان يترحم حقاً على أرواح هؤلاء الشهداء، كان من المفترض أن يكثف الاجتماعات حتى يتم الاتفاق. ولكنه بدلاً عن ذلك، أوقف المفاوضات من قوى الحرية والتغيير !! هل يريد برهان حقاً فتح الشوارع وعودة الحياة الطبيعية للعاصمة ؟! إذا كان يريد ذلك، كان من المفترض أن يسرع في المفاوضات، ويوقع الاتفاق الذي يحول السلطة للشعب، مما يفض الاعتصام ويعيد الحياة الى طبيعتها .. لماذا فعل العكس وأوقف التفاوض ؟؟ هل يواجه المجلس العسكري ضغوطاً من فلول النظام السابق ؟! هل يواجه ضغوطاً من دول أجنبية عبر حميدتي ؟! هل يواجه ضغوطاً من دعاة الهوس الديني، أمثال عبد الحي يوسف المنتفع من النظام البائد، ومحمد عبد الكريم الوهابي الجاهل؟!
4-إن محاولة المجلس العسكري، في تشويه موقف الثوار، واتهام الثورة بأنها فقدت السلمية، محاولة بائرة وفاشلة، ترمي الى تبرير ضرب المعتصمين، وخداع العالم بأنهم استعملوا الرصاص، لأن الثوار لم يعودوا سلميين. وهذه محاولة حاولها صلاح قوش، قبل سقوط البشير، لكنها جعلته مثار سخرية، لأن الثوار أثبتوا بالعمل لا القول، أنهم أحرص الناس على سلمية الثورة. وليس من مصلحة الفريق برهان، أن ينجر وراء تلك الخدع الاخوانية المكشوفة.
5- أما بيان الفريق حميدتي، فقد كان باهتاً، وغامضاً.. فهو لم ينف بصورة قاطعة، أن من ضرب الشباب ليسوا من قوات الدعم السريع، بل قال أنهم لو أرادوا فض الاعتصام لأعلنوا ذلك ونفذوه !! فإذا كانت القوات المجرمة، التي قتلت الشباب، تلبس لبس الدعم السريع، وتركب عربات الدعم السريع، ألا يغضب ذلك حميدتي ويجعله يواجه تلك القوات المجهولة بحزم ؟! بدلاً من ذلك، هاجم حميدتي أعضاء الحركات المسلحة، الذين يشاركون في الاعتصام، ووصفهم بأن لهم أجندة، ويريدون استغلال الاعتصام لأجندتهم!! ولم يوضح لنا ما هي أجندتهم ؟ وكيف عرفها؟ ولماذا هو غير راض عنهم، بعد أن اوقفوا اطلاق النار، وتركوا سلاحهم بعيداً، وجاءوا كمواطنين ليشاركوا في الثورة السلمية ؟! هل كان يريد منهم أن يظلوا رافعي السلاح، ليقاتلهم ويفقد البلد أبناءه من الجانبين ؟
6-لقد أوصى حميدتي جنوده، بأن لا يضربوا المدنيين مهما استفزوهم، أو يرشقوهم بالحجارة، وأن يعاملوهم بطيبة، مهما شتموهم وحاولوا استفزازهم !! وهذا يذكرنا بمخاطبة قوش لجنوده، من رجال الأمن، فقد قال لهم نفس الكلام !! ولكن قوش كان لديه خطابين واحد مصور، ومذاع، وهذا متسامح !! وآخر يدعو لقتل المتظاهرين، وهذا لم يعلن، ولكننا عرفناه لأنهم نفذوه في الشارع مع المتظاهرين. فهل حميدتي لديه خطابين أيضاً ؟! التعامل في الشارع مع المعتصمين سيؤكد ذلك أو ينفيه !!
7-لابد من الإشادة، بالموقف المسؤول، الواعي، الذي تقفه قوى الحرية والتغيير.. وعليها الآن أن تشرح لكل الاعلام العالمي، ومنظمات المجتمع الدولي، أن المجلس العسكري أوقف التفاوض، بعد ان أوشك على إكتماله. وأنه ليس حريصاً على تسليم السلطة لحكومة انتقالية مدنية، كما صرح كثيراً، وأنه هو المسؤول الأول عن دماء شهداء المتاريس، خاصة وأنه أعلن تكوين لجنة منه ومن قوى الحرية والتغيير، للتحقيق في الأحداث ومعرفة الجناة.
من ناحية أخرى، لابد من زيادة الحشود، ودعوة الاقاليم للمجئ الى ساحات الاعتصام، والتخطيط الجاد للإضراب العام والعصيان المدني، وانتزاع الشرعية من المجلس العسكري، بصورة سلمية وحضارية، ما دام غير قادر على حماية المواطنين.

التعليقات مغلقة.

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي