رئيس التحرير

أبعد من وصم الإخوان بالإرهاب

الخميس 16-05-2019 08:01

كتب

يعلن البيت الأبيض الأمريكي عزمه على إدراج جماعة الإخوان المسلمين على لائحة المنظمات الإرهابية، وهو بذلك يدق مسمارا جديدا في نعش التحول الديمقراطي في المنطقة. ليس هذا القول انتصارا لجانب الإخوان، أو تجاهلا لمثالب الجماعة بنيويا وأيديولوجيا، لكنه وفي الوقت نفسه تأكيد على ضرورة وجود تيار سياسي يمثل شرائح واسعة من المحافظين في مجتمعاتنا، لا يستوي عبر تهميشها أي حديث عن بناء دولة وطنية ديمقراطية وحديثة. فالإسلام السياسي عموما إلى جانب القوميين واليساريين وغيرهم، جزء من الطيف السياسي في منطقة تزدري التعددية وتميل نحو الاستبداد، سواء أكان الإسلاميون أو غيرهم على رأس هرم السلطة فيها.

الأثر التحريضي

لا تعنينا هنا الأسباب التي دفعت إدارة ترامب لبحث قرار كهذا، لكن أيضا لا نتجاهل الأثر التحريضي الذي لعبته بعض الدول في المنطقة ومنها مصر التي يسعى رئيسها عبد الفتاح السيسي إلى تكرار أخطاء الماضي عبر التأسيس لديكتاتورية قد تدفع لانفجار جديد وثورة أخرى طال الزمن أو قصر. فالديمقراطيات التي تعكس برلماناتها المزاج الشعبي العام في مرحلة ما، قادرة على التفاعل بدينامية مع أغلب التحولات عبر إفساح المجال لأحزاب أخرى أو قوى جديدة كي تشارك في السلطة بقدر أو بآخر، وبما يتناسب مع حجم جمهورها الذي منحها صوته في صندوق الانتخاب. وفي حين تحتفظ الديكتاتوريات باستقرار وهمي قائم على القمع والتنكيل وصولا إلى تصفية الحياة السياسية، لا تلبث هشاشة هذا الاستقرار أن تتكشف في مواجهة الأزمات والهزات، والتي قد يعقب بعضها انهيار للدولة وخوض في مستنقع الحروب الأهلية كما في سوريا وليبيا واليمن.

لا يشكل نقد الإخوان تبريرا لتهميشهم وقمعهم من قبل الأنظمة المستبدة، ولن يؤدي إلحاقهم بقوائم الإرهاب إلى جانب تنظيمات كـ «القاعدة» وتنظيم «الدولة» إلا إلى تحقيق نصر دعائي للأخيرة

بمعنى آخر، لا يكمن الخطر في إدراج الإخوان بحد ذاتهم على قوائم الإرهاب -والذي قد يصم الإسلام السياسي بمجمله مهما بدا هذا التيار أو ذاك عصريا وليبراليا- لكن في إقصاء تيار له حضوره وجمهوره والتبعات المترتبة على ذلك، سواء أكان هذا التيار إسلاميا أو قوميا أو يساريا أو غيرهم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد في مصر التي طالما قمعت الإسلام السياسي والسودان التي استبد بها الأخير، شاهدا على مآل الدكتاتوريات والأنظمة غير التعددية. فالنتيجة في كلتا الحالتين، ثورة عارمة أطاحت برأس النظام على الأقل كان من الممكن تجنبها لو امتلك أي من الشعبين فرصة التصويت لحزب أو حاكم آخر كما هو الحال في أي ديمقراطية.

التطور الديمقراطي

في المقابل، لا يصح اختصار العملية الديمقراطية في صندوق انتخابي فقط، إذ تتوفر المنطقة على إشكالات وممارسات أخرى تعيق عملية التطور الديمقراطي كضعف أو فشل مؤسسات الدولة لصالح تغول المؤسسة العسكرية وتحكمها بالقرار السياسي. في حين عادة ما يطبع الطبقة السياسية المعارضة -والتي يقع على عاتقها بالدرجة الأولى مسؤولية إضعاف سطوة العسكر لصالح المدنيين- ميل للتشدد وابتعاد عن الوسطية، كما استفحال للشعبوية كمشكلة مزمنة في الممارسة السياسية منذ استقلال هذه الدول إلى يومنا هذا. وبدورها تتعارض العديد من الأيديولوجيات المتشددة السائدة مع جوهر التعددية، وتشرعن بطريقة أو بأخرى التفرد في الحكم والتسلط به تحت عناوين شتى. لا عجب إذن أن يعيد الاستبداد إنتاج نفسه مرة تلو الأخرى، فيتغير الساسة وتبقى السياسات.
الأصل في الديمقراطية ضمان مشاركة جميع الأحزاب والتيارات التي يعتقد مواطنو دولة ما بتمثيلها لهم من جهة الأفكار والرؤى، ويجدون فيها ضامنا لمصالحهم. وبالتالي فمشاركة الإخوان في السلطة شأن يجب الدفاع عنه في سبيل بناء ديمقراطيات قادرة على الاستمرار. لكن في المقابل، الدفاع عن حق المشاركة شيء وممارسته شيء آخر، فالوسطية التي يتطلبها العمل السياسي تفترض قدرا من الليبرالية من جهة الحقوق والحريات، كما المساواة بين المواطنين وعدم التمييز فيما بينهم على أساس العرق واللون والجنس والدين، وإدراكا لأهمية التعددية والتزاما بصونها والدفاع عنها في سبيل التأسيس لممارسة ديمقراطية سليمة. إذ لا يكفي تبني خطاب ليبرالي وسطي في العلن، في حين يتستر هذا الحزب أو تلك الجماعة على ترسانة أيديولوجية يقينية تقع على النقيض من كل ما سبق. فهل التزم البعث على سبيل المثال بالحرية التي رفعها شعارا؟ وكم كانت شاسعة الهوة بين القول والفعل في السودان؟ وكم هي شاسعة بين الخطاب والأجندات لبعض الإخوان في بعض الدول؟

حركة النهضة

لعل إحدى أهم الخطوات التي قامت بها حركة النهضة في تونس -والتي نأمل أن يؤكد المستقبل التزامها بها- هو التأكيد على الجانب السياسي من خلال فصله عن الدعوي، والتعفف عن إغراء الشعبوية عبر استغلال الدين والمشاعر لحصد المقاعد في البرلمان. كما كان لإعلان انفصال الحركة عن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين دلالة على ضرورة التحرر من عالمية خيالية وغير واقعية طبعت أيديولوجيا الإخوان من حيث ازدراء الأوطان بحدودها القائمة في سبيل كل أكبر. أي كما هو الحال لدى القوميين العرب بالنسخة البعثية، وكما كانت عليه الشيوعية في الاتحاد السوفييتي البائد غير مأسوف عليه.
ومن جهة أخرى نجد في تونس أيضا مثالا على تعددية سياسية فريدة في العالم العربي، حيث يضم برلمانها طيفا سياسيا واسعا، بما فيه وجود هامشي ليسار راديكالي وليبرالي لا يزال يرى في سفاح كبشار الأسد مثالا على الزعامة والقيادة!
ورغم كل العقبات والسجالات والمخاطر التي تحيق بهذه الديمقراطية الناشئة، يعتبر تشكيل تحالف حاكم بين إسلاميين وعلمانيين – حتى لو لم يتكرر هذا التحالف في المستقبل القريب- سابقة في سبيل التحرر من نمطية سياسية قائمة على قدر من التشدد يطبع الطرفين في دول عربية وإقليمية أخرى. وهنا قد يتساءل المرء، ألم يكن حريا بالإخوان في مصر تشارك السلطة مع الليبراليين وغيرهم، وتشكيل جبهة مدنية تعمل على كف يد العسكر عن السلطة؟
لا يشكل نقد الإخوان تبريرا لتهميشهم وقمعهم من قبل الأنظمة المستبدة، ولن يؤدي إلحاقهم بقوائم الإرهاب إلى جانب تنظيمات كـ«القاعدة» وتنظيم الدولة إلا إلى تحقيق نصر دعائي للأخيرة، وطعنة للديمقراطية ودفعا ببعض الشباب المسلم المحافظ إلى براثن الإرهاب سواء كمجندين أو متعاطفين. ليست النهضة في تونس إرهابية وكذلك الأمر بالنسبة للعدالة والتنمية في تركيا، أو المغرب، وغيرهم في هذه الدولة أو تلك.
حقيقة أن الخلاف الفكري مع الإسلام السياسي قائم ومحتدم، لا تجعل من الأخير إرهابيا، فالعلاقة معه تحكمها السياسة سواء كخصم منافس أو شريك في ائتلاف حاكم. هو جزء لا يمكن إلغاؤه من المعادلات في منطقة هي في أمس الحاجة إلى أحزاب إسلامية تتبنى رؤى وسياسيات ليبرالية وحداثية عصرية، وترى في الدين إطارا ثقافيا جامعا طبع المنطقة بكافة أديانها وطوائفها لقرون ماضية، وربما لأخرى مقبلة. تلك هي مسؤولية الإسلاميين بمن فيهم الإخوان لتأسيس هذه الأحزاب، والإسهام في إحداث تحول تاريخي يحرر الشعوب من سجن الماضي إلى رحاب المستقبل، انطلاقا من حاضر لا يستنفده الندب والحنين إلى أمجاد امبراطورية غابرة، أي حين كانت الخلافة العربية الإسلامية قلب العالم القديم وأحد أهم سادته.

اضف تعليق

الحصاد- السودان.. ترقب لنتائج اجتماع القصر