رئيس التحرير

عمن أغرقهم نهر النيل… حتى على يابسته

الخميس 16-05-2019 08:00

كتب

نهر النيل، «الوديع المقبل من الجنة»، لم يستجب هذه المرة للخرافة التي ألصقها به البشر المقيمون على ضفافه. ما انتظرت فاطمة حدوثه، على مدار عشرين سنة ويزيد، لم يحدث. ظلت ابنتها سعاد في قاع من قيعانه، ولم يلفظ النيل جثّتها، حسب ما جاء في تلك الأسطورة، التي تقول إنه كلما أغرق أحدا ردّ اثنين ممن كان قد أغرقهم في السابق. لم يحصل هذا لفاطمة، المتوارية دائما عن قريتها «حجر ناتي» عن الناس. وهي لا تظهر إلا حين يستبد بها اشتياقها لابنتها، أو حين تظهر جثة لغريق، أو لغريقة جديدة. تروح أولا تنتظر أن يتاح لها النظر إلى الغريقة الجديدة التي تردّد أنها غرقت، لترى إن كانت هي سعاد، ابنتها. وإذ يتأكد لها أنها ليست هي، سيكون عليها أن تنتظر ظهور الجثتين الموعودتين، فربما كانت إحداهما لسعاد.
وعلى الرغم من أن فاطمة تظلّ متوارية، ولا تحضر بين أي جمع، ولا في أي مناسبة للونس أو القهر في «حجر ناتي»، إلا أن الرواية تبدأ بها وتنتهي بها. هذا مع أنها، وحدها من بين أهل القرية، لم يغيّرها تقلب الزمن وحدثانه. كلهم تغيّروا. مع بلوغ الزمن الذي يجمعهم نهايته، مات أكثرهم، وحزن الباقون على رحيل من ماتوا. إلا هي فاطمة التي، في الثبت الأخير الذي وضعه كاتب الرواية ليعيّن فيه زمن ما بعد انتهاء أحداثها، اكتفى بالقول عنها: «ما زالت فاطمة أم الصبية تظهر، تنتظر جثة سعاد».
بشير الناير مات، أخوه محمد سعيد الشيخ مات أيضا، الحاجة رضية، زوجة هذا الأخيرالمتسلطة على رجال «حجر ناتي» ونسائها ماتت كذلك، وإن بعد عمر طويل. حتى عبير ابنة السادسة عشرة التي أغوت العديدين من ذكور القرية واختلت بأكثرهم، ماتت هي أيضا. أما من لم يمت بعد، مثل أحمد شقرب المساعد الطبي الذي كان من بين الذين اتهموا بأبوة الطفل الذي حبلت به عبير، فهو ينتظر الموت في قريته التي عاد ليقيم فيها بعد هربه مما قد تستجرّ عليه الفضيحة. وحدها فاطمة، أم سعاد الغريقة، لم يجر عليها تغيّر الزمن وتقادمه. ظلت منتظرة ابنتها، مثل امرأة باقية من زمن غابر، مثل امرأة خالدة، صورة لامرأة أسطورية، حكاية من حكايات النيل الذي لا يتوقف جريانه.

كلهم مشتركون في الأحداث التي تتقلّب في حجر نارتي. في قهرها أولا، ذاك الذي يتسبب في أكثر ما يصيب أولئك المجهولي الأصل، «سلالة الحرام» كما في الرواية. فايت ندو مثلا، التي أنجبتها أمها من علاقات عابرة. وهي، مع ذلك، تنتظر لابنتها، التي حملت بها من علاقة عابرة هي أيضا، أو من علاقة قسرية، أن تتخرج وتكون طبيبة. لكن قدر السلالة، أو قهرها، قائم في تناسلها من نفسها. لم تشأ لها رضية أن تكون طبيبة، وهي الحاجة المتحكمة ليس بآل الناير (وجهاء حجر نارتي) وحدهم، بل بكل من ينتسب لهم ويقع في عهدتهم، ثم أن البنت، عبير، نضجت والرغبة الحرام تضطرم فيها كأنها مسكونة بشيطان.
أما الونس، وهو الذي أكثر ما تدور جلساته في ذلك المكان القريب من النهر، والذي يدير على قهوة فايت ندو، أم الفتاة عبير، فهو التسلي بالكلام، لكنه، مع ذلك، يمكن أن يكون تداولا للفضائح والعبث بها، كأنهم ينتظرون حدوث الفضيحة لكي يطيب الونس بينهم. وهو الونس الأليف الذي يجهدون، هم المتوانسون، كي لا يكونوا بين الذين يدور عليهم. ذاك أن كلا منهم قد يكون مشاركا في الفضائح التي تُروى، لكنه قابع في الجهة الأخرى من الستارة الفاصلة بين المتونّسين وأبطال الفضائح. كان اثنان منهم، على الأقل، من بين الكثيرين الذين شاركوا في إيصال عبير إلى فضيحتها، أو من بين من ساعدوها على تحقُّقها. وعلى أي حال هم كذلك في باقي علاقاتهم، طيبون ومتنازعون إزاء مسائل تتصف بالخساسة، من ذلك مثلا تدبيرهم الزيجات تبعا لما يعود منها إليهم من المواريث. وهم ينحازون في السياسة يؤيد بعضهم هذا الطرف ويؤيد بعضهم الطرف الآخر، هكذا لمجرد اكتمال صورة الاختلاف والتنابذ بين بعضهم بعضا. وهنا، في الرواية التي ترجع أحداثها إلى بين ما ترجع إليه 1940، سنة بداية الحرب العالمية الثانية، فانقسموا، بعض يؤيد الإنكليز وبعض يؤيد الطليان.
ورغم ذلك كله نقرأ عن ذلك الحب الحقيقي بين بشير الناير وسكينة التي حظي بها أخيرا بعد مقتل زوجها في تلك الحرب. كان ذلك حبا حقيقيا اضطر معه بشير الناير، لأن يكون نذلا وفارسا في وقت واحد، من أجل أن يفوز بها. ذاك أن ما يجري في حجر ناتي هو ذاته الذي يجري في أي مكان، ليس في السودان وحدها، بل على كل رقعة من الأرض، لذلك لا يحتاج العيش، بالضرورة، إلى أن يحدث فيه ما هو استثنائي في حياة البشر حتى يستحقّ أن يُروى.
*رواية حمور زيادة «الغرق- حكاية القهر والونس» صدرت عن «دار العين للنشر» في 266 صفحة 2019 .

التعليقات مغلقة.

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي