رئيس التحرير

ما الدولة ولماذا هي مهمة؟

الأربعاء 17-04-2019 07:20

كتب

التساؤل عن تعريف الدولة يقود بالضرورة للبحث والتنقيب في الفلسفة الغربية، التي تعد الدولة إحدى منتوجات فكرها. ستضع هذه الفلسفة مفهوم الدولة في إطاره التاريخي ضمن سياق انتقالات الإنسان الأوروبي من عصور الأسطورة والمعبودات اليونانية والرومانية إلى العصر الحديث، الذي ارتبط بولادة مفهوم الدولة، وبشكل أكثر تحديداً، الحدود على النحو الذي نعرفه عليها اليوم. الدولة بهذا النسق لا تكون مجرد نتاج للفكر الغربي، بل أكثر من ذلك، نتاجاً للحداثة الأوروبية بجناحيها السياسي والاجتماعي.
في أواسط القرن الماضي، لاحظ الفيلسوف الألماني إيرنست كاسيرر، أن الدولة التي مثّلت مرحلة انتقال في طريق التاريخ المعاصر، سرعان ما تضخم دورها لتتحول لأسطورة كبيرة مقدسة تمهد لجعلها، أي الدولة، هي الأصل في حين تتناقص أهمية الفرد لحد خلق تناقض بين كل من ثلاثي الفرد والمجتمع والدولة.
كاسيرر أصدر كتابه عام 1946 ووضع له عنواناً معبراً عن السخرية من العالم الحديث المبني على تقديس الدولة «أسطورة الدولة». ذلك التقديس لدرجة «الأسطرة» هو الذي أدى، بحسب ما يمكننا أن نفهم من سياق الكتاب، إلى الحروب الكبرى المدمرة، وإلى نشوء ظاهرة ألمانيا النازية، التي انطلقت من المبالغة في تعظيم الدولة الألمانية، وكل ما ارتبط بها من شعب وجنس.
الدولة كمؤسسة تتناقض بالضرورة مع الحرية الفردية للمفكر والفيلسوف، فمن أجل تأمين نفسها ستطلب منه أن يتوقف عن التفكير، وأن يقتصر دوره على الدوران في الفلك الذي اختارته. هكذا يصبح الفكر المغاير، أو «الثوري» غير مرحب به، وحين يتحول هذا الفكر الفردي إلى رأي جماعي، أو مطلب مجتمعي، وهو ما يمكن وصفه بالثورة، فلا سبيل إلا لقمعه والتخلص منه، وإجبار تلك الأصوات، التي تبدو لأصحاب الدولة «شاذة»، بغض النظر عن عدد أصحابها، على السير ضمن التيار العام الوحيد. هذا هو ما نقصده بالتناقض بين كل من الفرد- المجتمع والدولة. في هذا الظرف سوف تنشأ «الشمولية» أو كما يحلو للمثقفين العرب تسميتها بـ»التوتاليتارية» نقلاً عن الأصل الغربي، التي نجد أبلغ تعريف لها عند أوليفيه روا: «الامتصاص الكلي للحقل الاجتماعي من قبل السياسي». وهو تعريف مختصر ومعبر عن الحالة الأوروبية التاريخية التي يتم فيها إعلاء شأن الدولة على ما عداها.

ألمانيا النازية كانت مثالاً على تجاوز الحدود التي تفصل بين حب الوطن والغرور الممزوج بالتعالي، والعنصرية التي تحتقر ما خارج الوطن من مساحات، هي بالضرورة أوطان لأناس آخرين، كما تحتقر ما عدا ذلك الشعب من شعوب أخرى باعتبارها أقل رقياً وتحضراً، أي أنه تنتج مشكلتان متلازمتان لذلك التقديس غير المبرر للدولة، الأولى داخلية بين الأفراد، أو مواطني تلك الدولة والمجتمع، والثانية خارجية وتتجلى في ما سيؤدي له ذلك «التأليه» من علاقات خارجية، مبنية على النزاع والصراع، الذي تقوده روح التعالي والاحتقار. في ظل تلك المشكلة سوف يستحيل قبول فكرة الاتحاد أو الشراكة مع الآخر الخارجي، ما كان سيجعل من ميلاد «الاتحاد الأوروبي» أو أي مشروع مماثل شيئاً مستحيلاً.
كما ذكرنا فإنه يجب علينا، وقبل أن نتحدث عن المغالاة في تقديس الدولة، أن نتساءل حول تعريف هذه الفكرة، فكرة الدولة، وحدودها المعرفية، وعما إذا كانت تستحق أصلاً بعض التقديس. مرة أخرى سوف يبدو لنا المصطلح مثيراً للجدل، فهو رغم كل التكرار الذي يحظى به في المواثيق الدولية، وفي عبارات السياسيين يظل غامضاً. وبالبحث في الكتب ذات الاهتمام، سوف نجد عشرات التفسيرات المختلفة والمتناقضة للكلمة، بل سنكتشف أن مؤتمراً كبيراً، كمؤتمر الجمعية الدولية لعلم السياسة، الذي انعقد في ريو دي جانيرو عام 1982، كان مخصصاً- بالغالب- لا لمناقشة شيء سوى موضوع تعريفات الدولة التي هي مجال علم السياسة. الحقيقة أن التوازن بين حرية الفرد وتطلعات المجموع وقدسية الدولة لا يتوفر إلا في تلك المدينة الفاضلة الخيالية، التي تحدث عنها أفلاطون، والتي يرأسها فيلسوف حكيم. هو توازن لا وجود له إلا في تهويمات الفلاسفة كأفلاطون قديماً، وهيغل القرن التاسع عشر. هيغل كان قرر في كتابه «دستور ألمانيا» أنه «لا تستحق مجموعة إنسانية أن تسمى دولة، إلا إذا كانت متحدة لأجل الدفاع الجماعي عن كل ممتلكاتها»، حينها كان ذلك الفيلسوف ينتقد الدولة الألمانية، التي رآها مختلفة الأهواء مقارنة بكيانات موحدة كفرنسا وبريطانيا وهو برأيه ما كان يضعف مقاومتها ضد أعدائها. لكن هيغل، على الأهمية التي يحظى بها في عالم الفلسفة الأوروبية، لم يكن واقعياً، إذ كيف يمكن لشعب ما أن يكون موحداً بشكل تام؟ إن الطريق الوحيد لتوحيد أمة كاملة على مسار واحد، هو طريق التحكم في التربية واستخدام القمع والتدخل في كل نشاط فكري وذهني، بما يؤدي في الأخير لمعاداة الفرد لا إلى خلق التوازن المنشود في دولة الخير.
ولكن ما هي دولة الخير؟ وعلى أي شيء يمكنها أن تستند وتحصل على شرعيتها التي تخولها لفرض ما تراه خيراً؟ كانت أوروبا التقليدية في ذلك أمام خيارين، إما خيار الدين على طريقة القديس أوغسطين، أو خيار الأخلاق، حسبما دعا إليه «كانت» وكلاهما لم يكن يعبر عن ذلك «الخير» المنشود. لا الديانة المسيحية التي أسيء استغلالها لقرون من قبل الحكام ورجال الدين، ولا قيم الأخلاق المطلقة التي أثبت أن بإمكانها أن تتغير بحسب الحال والمقال. وعن الأخلاق ـ المنفصلة عن الدين- فإن أحد الأمثلة على الاستفادة من هذه الفكرة الهيغلية، تجلى في فلسفة كارل ماركس حول النظرية الشيوعية، التي هدفت إلى توحيد كل من الشعب والحاكم في إطار ما من تقليص الفروقات لتصبح الدولة المرجوة، في النظرية على الأقل، دولة مجتمعية حاكمة.
هكذا يتبين لنا أن دور الدولة في الفكر الأوروبي كان عرضة للتغيير بحسب الواقع التاريخي، فكان أوغسطين مجدداً في وقته وثائراً، وهو يحمل دعوة إلى دولة يحكمها الدين في عصر الامبراطوريات الوثنية، كما كان «كانت» نفسه مجدداً حينما حاول أن يقود حراكاً ثورياً ينتقد به الملكيات الأوروبية المستندة إلى الدين. كانت حرية التجارة ثورية في بداياتها وكان كارل ماركس ثورياً في نظرته لدولة الرأسمال، رغم الاختلافات المدرسية حول الشكل والطبيعة، فإن الجميع اتفق على ضرورة وجود دولة. هنا نذكر أن ميكيافيللي حينما تحدث عن «الدولة الحديثة» فإنه كان يشير إلى إنكلترا وإسبانيا وفرنسا الموحدة ذات الجيش القوي مقارنة ببلده، إيطاليا، المجزأة والمتناحرة، تلك الفروقات نفسها نجدها عند هيغل الذي كانت ألمانيا بالنسبة له امبراطورية وليست دولة حديثة كفرنسا نابليون.
ثم نستمع إلى ماكس فيبر(1864- 1920) وهو يعتبر أن «العقلانية» هي أهم شروط الدولة الحديثة وأن الدولة بشكلها العقلاني لا تنبع إلا من الميراث الأوروبي: «العقلنة توجد بمقاييس متفاوتة في قطاعات مختلفة في كثير من الأنظمة السياسية التاريخية، عند اليونان والرومان، في العهد الوسيط الأوروبي، بل حتى في الإمبراطوريات الشرقية. لكنها كعملية شاملة وعميقة لم تتبلور إلا في الغرب الحديث». ماكس فيبر الفيلسوف الألماني وأحد أعمدة علم الاجتماع الحديث هو أيضاً واضع مصطلح «البيروقراطية» التي جعلها أحد اشتراطات الدولة الحديثة، التي يجب أن تتميز بالمؤسسية والديوانية.

التعليقات مغلقة.

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي