رئيس التحرير

انقلاب عربي جديد!

الأحد 14-04-2019 18:32

كتب

يثبت الشعب السوداني الشقيق اليوم على الرغم مما يتسم به من صبر وود ووداعة، أنه عند الغضب يمكنه أن يقف في وجه السلطة العاتية، مهما كان جبروتها، وأنه قادر على المجابهة، مهما عظمت التضحيات، واتخاذ أخطر وأجرأ القرارات.
يشهد هذا البلد الشقيق هذه الأيام آخر الانقلابات على الساحة العربية، التي يبدو أنها ما زالت من تقاليدنا العريقة، التي نسيها العالم المتمدن، ولم نودعها كعرب حتى اللحظة، وهو الأخير عربيا ويحمل رقم (124)، خارطة الانقلابات تكاد تغطي مساحة الوطن العربي بأكمله، ومن يتمعن في تاريخها يرى العجب العجاب، فالسودان نفسه -مثالا- له نصيب من الانقلابات يصل إلى (16)، نجح منها (4) فقط، أمّا القطر العربي الذي يتربع على رأس القائمة في عدد الانقلابات وأول من سنها فهو سوريا، برقم يصل إلى (34)، نجح منها (9) فقط، بل أنه في عام واحد (1949) وقع فيها (3) انقلابات، أمّا في المغرب فقد فشلت الستة جميعها، لكن هذا لم يمنع أن هناك أقطارا عربية لم تتعرض أنظمة الحكم فيها لمثل هذه  الهزات، مثل السعودية والأردن والإمارات والبحرين وجيبوتي.
تكمن خطورة الانقلاب في نجاحه وفشله على حد سواء؛ فنجاحه قد يفضي إلى تعطيل الحياة السياسية والحريات المدنية، ومن ثم سيطرة المؤسسة العسكرية على مفاصل الدولة، في كل المجالات، وتصبح سلطة العسكر غير قابلة للنقد أو التعرّض، أمّا في حالة الفشل، فإن ذلك قد يؤدي إلى حرب أهلية تحرق الأخضر واليابس.
لكن متى ظهر هذا المفهوم للمرة الأولى؟ وما المقصود به تحديدا من الناحية السياسية؟ وهل يصطبغ بالصبغة العسكرية دائما؟
ظهر المفهوم لأول مرة في القرن السابع عشر في فرنسا، وكان وقتها يشير إلى الإجراءات المفاجئة والعنيفة التي يتخذها الملك دون احترام للقانون أو العادات الأخلاقية، للتخلص من أعدائه، وكان يلجأ لها للحفاظ على مصالحه وأمن الدولة.
والانقلاب تحديدا “إزاحة مفاجئة للسلطة الحالية بسلطة جديدة تتولى أمور الدولة”، لكنه ليس بالضرورة أن يكون عسكريا، بل قد يكون مدنيا أو خليط منهما، لكن في بلادنا كان دائما عسكريا، وعندما يحدث هناك عصيان مدني، أو ثورة، كما في أيامنا، فإن الحسم النهائي -للأسف-لا بد أن ينجز على يد القوات المسلحة في حالة انحيازها للجماهير، أمّا إذا حدث العكس فإن الحرب الأهلية هي النتيجة الطبيعية، كما يحدث في سوريا الأن، وغالبا ما يقع الانقلاب على يد أفراد من داخل النظام نفسه، مما يؤسس لاحتمالية استمرار التجربة ذاتها دون تغيير.
ظاهرة الانقلابات عفا عليها الزمن عند الشعوب المتحضرة، لكنها بقيت حاضرة عربيا، ويكاد البعض يجزم أنها سر تراجع الحياة السياسة والإدارة العامة والحريات في بلادنا، لأن اللعبة السياسية لدينا يمكن وصفها بالصفقة الصفرية، بمعنى عندما يصل طرف إلى السلطة، فإنه يستحوذ على الدولة بكل امكانياتها، أمّا باقي الأطراف فتحظى بنصيب صفري، وهكذا تبقى البلاد في صراع مستمر، يعطل الإصلاح ويعيق التطور، وفي كثير من أقطار الوطن العربي، كان التداول على السلطة بين المدني والعسكري يشبه الباب الدوّار، لكن الهيمنة العسكرية كانت من حيث الزمن أضعاف ما كان للمدنيين، ولو عدنا لمثالنا الحاضر أي ما يجري في السودان، فقد حكم العسكر من خلال (3) انقلابات لمدة (45) سنة، أمّا المدنيين فلم يتمكنوا من السلطة سوى (11) سنة متفرقة.
لكن هل نضع الانقلابات كلها في سلة واحدة؟ ونرميها بالوصمة ذاتها؟ في الواقع لا يمكن ذلك، ونموذج السودان ذاته خير شاهد، فعندما يكون الانقلاب على رئيس أو سلطة منتخبة فهو مرفوض مطلقا، لكن إن كان في سبيل انتزاع السلطة من مستبدين فيمكن في هذه الحالة أن يعتبر ديمقراطيا، ويحظى بشعبية واسعة، خاصةً إذا وفّى العسكر بتعهداتهم وعادوا إلى ثكناتهم وتركوا ظهر الدبابة وما أدل على ذلك من انقلاب المرحوم سوار الذهب على الرئيس جعفر نميري (1985)، عندما انتزع السلطة من سلطة مستبدة، ليسلمها بعد عام بالتمام لحكومة مدنية منتخبة.
سيبقى القلق يستوطن قلوبنا، رهبةً من تكرار تجارب الانقلابات نفسها، قديمها وحديثها، خاصة أن من يقرأ بيانات العسكر سيجد أنها لا اختلاف بينها منذ الأزل، فالأزمات الحادة تصنع الانقلابات، وهذه بدورها تقود إليها، أي أننا نعلق في شبكة السلبية والفشل، فاذا كانت المقدمات التي نصنعها هي نفسها، فمن الجنون أن ننتظر نتائج مختلفة، وهل يحصد الإنسان غير ما زرع؟!.

 

د. منصور محمد الهزايمة

اضف تعليق

كنداكة سودانية تلهب حماس معتصمي القيادة