رئيس التحرير

حساب (التحلل).. دعوة للفساد أم توهان درب ؟

الأربعاء 11-01-2017 11:29

كتب

اقترح وزير العدل مولانا عوض الحسن تخصيص حساب بنكي لإيداع أموال التحلل .. الاقتراح أثار جدلاً واسعاً وسط فئات مختلفة، باعتبار أنها شغلت الشارع السوداني مؤخراً في حقبة زمنية سابقة، ثم مالبثت أن طفت إلى السطح مرة أخرى، ووصف مختصون الخطوة بالدعوة الجديدة للتحلل، وأخذ الأموال دون وجه حق، الأمر الذي يضع العديد من الاستفهامات عن مدى شرعية وقانونية الإجراء، وإمكانية إرجاع ما تم الاستيلاء عليه،  وما هي الضمانات لعدم أخذ الأموال المودعة بالحساب مجدداً.

مخالفة القوانين

وقطع  مستشار بوزارة العدل فضل حجب اسمه بأن الحديث عن حساب بنكي لإيداع أموال التحلل غير قانوني ومخالف للشريعة الإسلامية، سيما وأن هناك نيابة مختصة بالمال العام تعمل وفق أسس قانونية، وقال إن الأموال التي يتم إيداعها بداخله لاتتوفر لها حماية من ناحية توجيه الصرف، ويضع هذا الإجراء العديد من التساؤلات أبرزها الجهة المخولة لأن تكون مسؤولة عن توظيف المال الموجود به لمرافق الدولة مثل المستشفيات وغيرها، وقطعاً تنتفي الشفافية هنا، ولاشك أنه يشجع التعدي على المال وارتكاب الجرائم المتعلقة به، بجانب استخدامه لغسل الأموال، ويضيف المستشار الشخص المودع يكون مرتكباً لجريمة فهل يعني هذا إباحية ارتكاب جرائم الأموال المتعلقة بأعمال مشبوهة؟، وإذا تم الاتفاق على ذلك الحساب لابد أن يأخذ الصبغة القانونية بعرضه على المجالس التشريعية ثم لجنة الحسبة والقانون، إضافة للجانب الفقهي في المسألة..
وفيما يتعلق بقضية مكتب الوالي فارجاع الملف لايعني براءة منسوبيه من التهم الموجهة إليهم، بل استكمالاً للتحري أو لضبط متهمين لم يتم القبض عليهم، أو لأسباب جوهرية تفيد الدعوى.
تشجيع للسرقة
ويرى رئيس منظمة الشفافية السودانية د. الطيب مختار أن الاقتراح  يمثل تشجيعاً للسرقة، ونحن ضد مبدأ التحلل وأخذ أموال دون وجه حق، وبالتالي الأمر يتطلب المحاسبة والمساءلة حتى تنتفي ظاهرة الممارسات الخاطئة، كما لايوجد ضمان لإرجاع الأموال التي تم التصرف بها مسبقاً، بجانب إخلال الإجراء برد الشيء لأصحابه – أي الوحدة المعنية التي تم الاستيلاء على أموالها- والطبيعي أن تذهب أموالها لها وليس لجهة أخرى، وقال مختار إن من يمتلك ضميراً لإرجاع الأموال لا يقدم على أخذها من البداية، ومن يريد غسلها لايضعها في حساب مجهول بل في عمل ليس به شبهة، ولايوجد حل أمام الجهات التنفيذية سوى إعمال مبدأ المحاسبة وفقاً للقانون.
غير مجدية
خبير الاقتصاد البروفسير الكندي يوسف  قال  إن أي إجراء مثل هذا يزيد من الاستيلاء على الأموال، وشكك في الاستجابة لتلك الدعوة، ومن ناحية اقتصادية لن تزيد تلك الطريقة المال، وإذا حدث قد تكون النسبة ضئيلة، وهي غير مجدية، خلاف الإجراءات القضائية التي تجبر المتحلل على رد المال، وما يجب الانتباه له أن المبلغ موضوع الخلاف يتم أخذه من جهة، وبالتالي يؤثر على ميزانيتها الموضوعة لبرامجها وإيراداتها، سوى كانت على مستوى المركز أو الولايات، وعادة ما يتم دعم العجز من الحكومة القومية بما يعادل 30% من الإيرادات، ودعا للنظر بموضوعية ورد الأموال للجهات التي تستحقها لتوظفها ضمن برامجها.
ليس حلاً
ويقول خبير مصرفي طلب عدم ذكر اسمه  إن مثل تلك الحسابات تكون اعتبارية، باختيار أشخاص معينين للتوقيع بمنصبهم لا باسمائهم الشخصية، وبتوقيعين على أقل تقدير، ويتم عمل لائحة تحدد كيفية صرف الإيرادات والأوجه عبر أشخاص يتم تفويضهم لإدارة الحساب وهي لا تعنينا، واشار الخبير إلى وجود مستندات بالوارد والذي يتم سحبه، لكن للجهة التي تديره فقط، أو بنك السودان المركزي أو المحاكم، ويمكن للجهة كشفه بعيداً عن الانظمة البنكية،  اما فيما يتعلق بتوريد أموال فمن الطبيعي عدم سؤال الشخص عن مصدر أمواله أو بيانته، ولفت إلى وجود وحدات بكافة البنوك تحت مسمى غسل الأموال وتمويل الإرهاب مهمتها التحري عن الشخص إذا كانت الأموال المودعة لافته للنظر، وذلك دون علم العميل نفسه، وقال إنه ليس حلاً لاسترداد الأموال المنهوبة، ويمكن أن يبقى خالياً من الرصيد حتى يرث الله الأرض وما عليها، والحل يكمن في تفعيل الأجهزة الرقابية.
أحكام
أما المحامية د.رنا عبد الغفار فأشارت لعدم وجود سند دستوري وقانوني للتحلل، ولا أدري من أين أتوا بها، وقالت إن الفساد ليس في الأموال فقط، فماذا يحدث بعد القبض على ما يعرفوا بالمتحللين؟، فهل يقولون إننا أودعنا أموالاً بالحساب المخصص، فبالتالي لايجوز محاكمتنا، أم ما القصد من ذاك الإجراء؟ ومن شروط العقوبات في القانون تحديد الجرم لتوقيع العقوبة المناسبة.
وجزم المحامي الرشيد السراج بأن إيداع الاموال بالحساب البنكي دون المساءلة مخالف لقانون الثراء الحرام لسنة 1989م، وإمتلاك المال العام دون عوض مخالف للأحكام والقوانين والقرارات التي تضبط سلوك العمل بالوظيفة العامة، واستغلال سلطته ونفوذه بوجه ينحرف عن المصالح العامة، ويخالف ذلك الأموال الشرعية للمعاملات، أما فيما يتعلق بالتحلل فالمادة 13 بقانون الثراء الحرام تجوز لكل شخص أثرى ثراءاً حراماً مشبوهاً عليه ان يحلل نفسه أو زوجته أو أولاده في أي مرحلة قبل فتح الدعوى الجنائية ضده، وأوضحت تلك المادة كيفية التحلل، وفي البند الثاني من ذات المادة نصت على أن يتم التحلل في: (أ) أن يرد المال موضوع الثراء الحرام أو المشبوه وبيان الكيفية التي تم بها الإثراء، وهذه من شروط التحلل، أما مايتعلق بالحساب البنكي قال السراج إن القانون أتاح لكل شخص التحلل لكن وفق للضوابط والأسس، أي لابد من أن يبين من يضع المال الكيفية التي حصل عليه بها.
(روحان الدرب )
وأكد رئيس هيئة علماء السودان بروفسير محمد عثمان صالح على حرمة الاعتداء على المال عاماً كان أم خاصاً، وقال إن حرمته مؤكده، فهي من الحقوق الخمس بجانب حرية الدين والعرض، ويعد ذلك من الكبائر، ومن اخذ مالاً دون علم صاحبه يجب أن يرده ويعلمه ويطلب العفو منه قبل اكتشاف أمره، مع العلم بأن الحرمة والذنب باقيان، والتوبة وحدها غير كافية، ومن يأخذ أي مبلغ من غير حق يجب محاسبته، واختلاس المال العام يختلف عن الخاص، وعلى الدولة ألا تعفي أي شخص ويجب أن يعاقب بالحدود الشرعية، ولم يبد البروفسير مانعاً من إنشاء الحساب شرط توقيع العقوبة المناسبة باعتبار أن المال ملك للعامة وليس فرداً، بجانب إعادته للجهة التي اُخذ منها، ليس لأخرى، حتى لا تتعطل مشاريع، وأردف أنه يدخل ضمن الفساد في الأرض، ونصح صالح بالتحري والضبط حتى لا يعلم المال السائب السرقة.
ولم يتفق عضو مجمع الفقه الاسلامي الشيخ جلال الدين المراد مع وزير العدل في حديثه، وقال إذا تكونت فكرة للوزير أو له علم بأشخاص ليس لديهم مانع في التحلل حال إنشاء حساب أو دون مساءلتهم فمن الأجدى أخذه كله وليس جزءاً منه، ولابد من مراعاة المال وفروعه وأصله ومانتج منه، ووصف ما يحدث بـ(روحان الدرب ) خاصة وان السلطة بيدها، وهي طريقة مهينة ومذلة، وختم حديثه بعبارة (لو ما متأكدين إنو الحكومة عارفاهم مابرجعو قرش).

 

آخر لحظة

التعليقات مغلقة.

كلمة الاستاذ علي محمود حسنين في ندوة حركة تحرير السودان مكتب لندن