رئيس التحرير

إشكالية تنغيم الوعي الفردي و انتقال السلطة

الخميس 21-03-2019 13:24

كتب

 

عندما بدأت ثورة ديسمبر في أخريات العام الماضي ، كانت تعبيرا عن وعي راكمته تجارب مريرة خاضها الشعب السوداني عبر سنوات الحكم في السودان منذ الإنقلاب العسكري الإسلامي في 1989 ، بشكل أساسي . و كان من سمات هذا الوعي الفردية ، و هي ما يهمنا بشكل حاسم في هذا المقال . و في حقيقة الأمر ، أدى عدم وضع هذه السمة في الاعتبار إلى بعثرة الزخم الذي ولدته الثورة .
و وعيك إنما هو نمط التفكير الذي تولده التجارب التي تمر بها سواء أكنت تخوض التجارب اختيارا أم قسرا . و لكن هذا الوعي نشأ فرديا لاختلاف التجارب التي صنعته ، و هي ذات التجارب التي خاضها الشعب السوداني لتوفير الخبر و الدواء و الكتاب ، و ذلك بعد أن بعد أن تركته الكيانات السياسية يهيم على وجهه في تيه الحياة يكابد العيش وحده ، و يقفل راجعا منتصرا وحده ، أو منهزما وحده ، أو يناجي ربه وحده .
و غني عن القول ، إن الزخم الذي يحدثه التناغم في الوعي الفردي ، ليصير وعيا جماعيا ، هو الذي يخلق زخم التغيير ابتداء ، و ليس شيئا آخر يتوهمه المتوهمون .
و طوال سني “الإنقاذ” ، شكل هذه الوعي الفردي طبقة وسطى جديدة حلت محل الطبقة الوسطى بمفهومها الكلاسيكي . و كانت الطبقة الوسطى ، قديما ، قد شتتها و مزق عراها انقلاب الإسلاميين المشار إليه . فلم يكن ذلك الانقلاب انقلابا تقليديا يكتفي باحتلال قيادة مؤسسات الدولة ، إنما كان انقلابا على طبيعة الحياة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ، أقتضى احتلالهم مؤسسات الدولة من رأسها حتى قعرها ، و هو ما صورناه كثيرا بصور من صور المتصل السياسي و الاجتماعي . و لذلك تخطئ قيادة الثورة الحالية بقياسها مع ثورتي أكتوبر 1964 و أبريل 1985 . فلئن وجدت العذر للمراقبين الأجانب لقياسهم هذه الثورة مع تينك الثورتين الرائعتين ، فإن نبل و إخلاص قيادة التغيير الحالية لن يغطي سذاجة و طفولة تصورهم من أن هذه الثورة ستجبر المؤسسة العسكرية بالانحياز الحاسم لها بنفس الطريقة .
و تشكل هذه الطبقة الوسطى الجديدة قلب عملية التغيير ، مثلها مثل أي طبقة وسطى تملك طموحا للتغيير و وعيا “مناسبا” بقضاياه . و هذه الطبقة الوسطى الجديدة “تختبئ” في ثياب لم تؤلف عنها ، حتى غابت عن المنظار الكلاسيكي الراصد لطبقات المجتمع . على سبيل المثال ، لم يألف المجتمع أن يكون صاحب الركشة أو ماسح الأحذية أو بائعة الشاي طبقة وسطى . و تشمل هذه الطبقة الوسطى الجديدة العاملين في المجالات الخدمية في مجال الاتصال و المواصلات بكافة أنواعها ، و بائعي الخضر و الفاكهة ، و صانعي الأطعمة ، و أصحاب المهن القلقة . و هي طبقة منتجة و طموحة تعول أسرها ، و تتأثر تأثرا بالغا لاضطراب الأسعار و جنونها رغم قدرتها على التكييف السريع ، وقدرتها على إحداث توازن سريع في نهاية المطاف ، فهي – ببساطة– تزيد رسوم خدماتها !! و لذلك تثور ثورة كبرى إن ارتبكت أولوياتها ، و حينها يلتحم الوعي الفردي بأخيه الوعي الفردي ، و يسيلان معا بحثا عن مجرى التغيير ، و يكون الصوت واحدا تجاه مصبية واحدة ، في مشهد أشبه بالمصيبة التي تجمع المصابين . و هكذا بدأت شرارة ثورة ديسمبر 2018 ، و حشدت معها فئات مختلفة أبرزها الشباب و ذلك للوعي السياسي النسبي الذي اتفق لهم ، و هكذا ولد الشعار الواحد للمصيبة الواحدة “تسقط بس” ، و ذلك أقصى ما يقدرون عليه في هذه المرحلة ، و لا يجب أن يطلب منهم أكثر من ذلك .
كانت الثورة تحتاج قائدا مدركا لقضايا التغيير و لبيئة و بنية الوعي المسيرة له ، قائدا مبدعا ذا خيال ، و هو ما افتقده تجمع المهنيين رغم نبله و صدق مشاعره . فقد تصدى تجمع المهنيين إلى قيادة الثورة و ملأ مكان القيادة الشاغر و وجد تعاطفا و قبولا و ما يزال ، و لكنه لم يستطع الحفاظ على أن يظل وعي الطبقة الوسطى الجديدة ملتحما مع الوعي الشبابي الناهض بالرغم من جوع كلاهما للتغيير . فقد ارتكب تجمع المهنيين و المتعاطفون معه خطأ قاتلا حين استسخفوا أن دوافع الثورة هو الجوع ، و ندرة الخبز من جراء مضاعفة أسعاره . و لاكوا عبارة السيد المسيح ، عليه السلام ، في غير موضعها ، أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، و ذلك دون أن يدركوا أن هذا الإنسان بلا خبز يموت !! و ربما دفعهم حياء سوداني محض للحديث عنه هكذا في قنوات التغطية الإخبارية في الداخل و الخارج .
فأما الحياء في طلب الطعام ، فمحمود في موضعه ، و أما الحياء في إجرائه مجرى قضايا التغيير و مصير الأمم ، فهو سذاجة مضرة تعيي من يداويها . و حين انطلقت الثورة ، لم يكن يؤرقني إلا نقطتان: الكلفة الباهظة في الأرواح من سلطة لا تكترث بأرواح بنيها ، و التصالح الإجباري مع العقل السياسي القديم الذي أنتج آلامنا الماثلة . و قد دعوت في مقال سابق و الثورة في أوجها ، إلي تحويل الطاقة الاحتجاجية إلى طاقة انتخابية ، و ذلك لأنها الأقل كلفة و أن لها القدرة الناجزة و الفورية التي تفرض على المجتمع الدولى الوقوف بجانبنا . و كانت الحكومة و رموزها في أضعف حالاتهم ، و كنت قد أقترحت حينها انتزاع شروط انتخابية منصفة ، لنخرج بها من الدرب السياسي العقيم من انتفاض ثم انتتقال ثم أحزاب “جاهزة” ثم انقلاب ، ثم كساح وطني ، ثم … و هو النموذج الذي لا تزال قيادة الثورة الحالية أسيرة له .
و كما تري ، إنه مع ترديد “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان” ، انقضم الوعي الصانع للثورة انقضامة كبرى ، إذ انزلقت مساحة كبرى من الوعي من داخل إطار خريطة التغيير ، مثلتها الطبقة الوسطى الجديدة ، إلى خارج الإطار ، حيث عادت إلى أسواقها و متاجرها و مفارشها و مظانها . و هكذا كان خروج و ابتعاد الطبقة الوسطى الجديدة ، ثم بعد قليل أصبح الشباب وحدهم من حين لآخر في الشارع . و في حقيقة الأمر ، شعرت قيادة الثورة الحالية بهذا الخلل الكبير الذي أدى إلى ذبول زخم الاحتجاجات ، فابتدعت قيام المظاهرات في الأسواق لجر و تشجيع الطبقة الوسطى الجديدة للانخراط مجددا في طريق التغيير الانتفاضي ، و لكنها لم تنجح في مسعاها بشكل يعيد الزخم سيرته الأولى ، كما لم تتأخر السلطات لدق إسفين بين المتظاهرين الشباب و هذه الطبقة الوسطى الجديدة في مظانها في الإسواق ، و ذلك بمهاجمتها بتهور أعتادت عليه السلطات .
و أما الخطأ القاتل الثاني ، فنتج عن ضمور الخيال السياسي لقيادة تجمع المهنيين . فقبل أيام من انقلاب البشير الأخير و تشكيل الحكومة العسكرية الأخيرة ، كان “النظام” قد سقط بالفعل و لكنه لم يجد من يتلقفه !! و كان المجتمع المحلي و الإقليمي و الدولي في حيرة من أمره ، فالكل له أولوياته و حساباته المعروفة ، و كانت لا تزال قيادة التجمع تملك زمام المبادرة ، و لكنها مضت مغمضة العينين في طريق مشته مرتين إثنتين ، أعتقدت إنه الطريق الوحيد المؤدي للوجهة الوحيدة .
و لو كان للتجمع خيال سياسي ، لحول زخم الحراك الاحتجاجي إلى زخم حراك انتخابي ، و لكان طالب بشروط انتخابية منصفة تشمل قانون الانتخابات و ضبط مفوضيته و تقسيم الدوائر الانتخابية ، حيث كان “النظام” جاثيا على ركبتيه جزعا و هلعا . و لكان المجتمع الإقليمي و الدولي مجبرا إجبارا ، فوريا و نافذا ، لا غبش فيه على التعاطي الإيجابي مع سلاسة و سلمية التحول السياسي ، بالأداة التي يعرفها هو و تعرفها شعوبه و لا يستطيع الالتواء عليها ، و ذلك دون الاضطرار إلى مساومته و تقديم شروحات تستنفد طاقة و زمنا كان أولى توظيفه في تقديم وجه سياسي جديد ، و عقل سياسي جديد مبرأ من أساطير الماضي و متفاعل مع حيوية الحاضر و متطلع إلى آفاق المستقبل ، يحلون به محل العقل السياسي السائد عموما و الحاكم خصوصا ، الذي أنتجته سني الاستقلال .
و ما يزال الأمل معقودا على قيادة حركة التغيير عموما و التجمع خصوصا ، أن يتحرر من أسر النموذج القديم لانتقال السلطة السياسية لمصلحة قضايا التغيير التي لم يعد بها غموض أو تحتاج لتفسير . فالنموذج القديم لانتقال السلطة يبطئ من وتيرة التغيير ، لانه يفرض عليك الدخول في مساومات تبقي على بعض من العقل السياسي المأزوم . على سبيل المثال ، ستضطر إلى التعامل مع الكيانات السياسية الموجودة كما هي ، الأمر الذي يجعلها تعتقد أنها ما تزال لاعبا أساسيا ، في شأن تنغيم الوعي الفردي و انتقال السلطة ، دون حاجة منها لإجراء تحولات جذرية تطال معناها و مبناها . كما إنك ستضطر للتعامل مع مؤسسات الدولة كما هي ، على الأقل في الوقت الحالي ، باعتبارها شريكا في عملية انتقال السلطة ، مما يشل قدرتك على إحداث تغيير مدروس للتخلص التدريجي لما يسمى بالدولة العميقة ، دون إحداث إرباك مزعج لقضايا التغيير . كما إنك ستضطر للتعامل مع مخاوف المجتمع الإقليمي و الدولي الموجودة كما هي ، دون أن يكون لأولوياتك كبير اعتبار . و كما ترى ، كل ذلك يختلف إن كنت أنت موفضا انتخابيا .
و من حسن الحظ ، و من حسن النضال ، لا يزال تحويل الطاقة الاحتجاجية إلى طاقة انتخابية أمرا ضروريا و ممكنا . و لعل قادة التغيير يكونون قد أدركوا ، الآن ، أن المسائل ليس كما تصوروها في البداية . و لعلني أذكر ، أنني وقعت على إعلان لهم يرحبون فيه بالملاحظات التي من شأنها تحقيق أهداف الثورة ، و ذلك يا ابن ودي تواضع محمود . و لكن أهداف الثورة ، عندي ، إنما هي إحداث التغيير بأقل زمن و أقل كلفة .
و إني لأرجو أن ينتبه قادة التجمع لهذا الأمر الحيوي ، و أن خيالا سياسيا مطلوب هنا في هذه اللحظة السياسية السايلة . و أنا أعرف أنهم أصحاب عزائم ، مثل صديقي السياسي الدكتور محمد يوسف أحمد المصطفي ، الذي لا أزال أحفظ جميله علي ، و ذلك حين تعهد مشكورا بدفع مبلغ كبيرمن المال لاطلاق سراحي من المعقتل ، إلى حين محاكمتي ، و ذلك عندما تم استدعائي بسبب مقال نشرته لي صحيفة “الأيام” ، أنادي فيه بعدم التحرش باتفاقية نيفاشا ، فكان أن حررت المؤسسة العسكرية ، عبر فرعها “التوجيه المعنوي” ، بلاغا ضدي تحت بند “الجرائم الموجهة ضد الدولة” . كان ذلك عقب اتفاقية السلام الشامل في 2005 ، و قبل لقائي به بعدها بعام و نصف . شكرا دكتور محمد يوسف .
تحتاج الثورة أن تستعيد زخمها الأول بأن “النظام” يسقط و لكن ليس “بس” ، إنما بالانتخابات التي تسمح أجواؤها بالتحام الوعي الشبابي بوعي الطبقة الوسطى الجديدة من جديد . كما تسمح هذه الأجواء للأحزاب بمعالجة أدوائها في الضوء ، مطعمة بالوعي المسال هذا ، و أن أصواتهم الانتخابية يحرسها شباب لهم أنياب و مخالب ، تجبر المجتمع الدولي على احترامها . كما تسمح للقانونيين الداعمين للتغيير بإعداد الملفات بهدوء و الدفع بها لانتزاع المزيد من الحقوق ، و السيطرة الذكية لإدارة ملفات الفساد ، لفرزها في حينها ، و أيضا ، من أجل إضعاف مرشح السلطة الذي جعله الثوار يجثو على ركبتيه . و هذا الصدد ، أكرم لنا أن يعلن قانونيونا أن نظامنا الديمقراطي الوشيك ، الذي يعبر عن كافة السودانيين و السودانيات ، قادر فنيا و راغب أخلاقيا ، لتوجية التهم و محاكمة أي شخص توجد حيثيات مقبولة لتوجيه التهم إليه ، فنحن لسنا أيفاعا كي تعالج قضايانا القانونية محاكم أخرى . و معلوم أن لواء الاختصاص لا ينعقد للمحكمة الجنائية الدولية ، إلا إن كان القضاء المعني غير قادر فنيا أو غير راغب أخلاقيا لاجبار أي كان للمثول أمام العدالة . و أعتقد أن قانونيينا سيكونون أكبر من ذلك . و عندها ، فلتبحث المحكمة الجنائية عن دولة قاصر تقضي قضاءها ، ولتبحث عن دولة لم يستقل كبير قضاتها ذات يوم ، احتجاجا على عدم احترام السلطة التنفيذية لقضاء قضى به ذات يوم .
كما تسمح أجواء الانتخابات “للنظام” بالتظاهر باحترام قواعد اللعبة الديمقراطية . و بالتالي التخلص التدريجي مما يسمى الدولة العميقة ، و من ثم الاستعدال التدريجي لنتوءات المتصل السياسي و الاجتماعي المزمن . و ذلك بجدول أعمال مريح و مطمئن تختاره السلطة الشرعية الجديدة .
و أخيرا ، خذوا عني هذا القول ، إن تحويل الطاقة الاحتجاجية لطاقة انتخابية ، إنما هو السبيل الأوحد للتخلص من العقل الحكومي البدائي ، و العقل المعارض البدائي . كما إنه السبيل الأوحد لقيام دولتنا المحترمة التي نستحق . فحافظوا على هذا الزخم البديع ، قبل أن يتبدد ، بعقل قيادي بديع ، يحفظكم الله .

 

عادل اسماعيل

التعليقات مغلقة.

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي