رئيس التحرير

بينَ وَردِي وحِمّيد

الأحد 10-03-2019 18:21

كتب

قد يأتي زمانٌ يضطر فيه الشعراء والروائيون والخطباء، لإرفاق شريط تسجيل، أو أي شكل من الأشكال السماعية الحديثة، يحوي تسجيلاً لنصوصهم المكتوبة، لإعطاء الصورة الأفضل للمتلقي.

هذا الأمر يبدو ضرورياً، إذا أردنا تعريف غير السودانيين – بل الكثير من السودانيين – بنصوص من الشعر الشعبي، فالإلقاء يعتبرعنصراً مهماً في إعطاء المادة المكتوبة بعداً آخر، لأنه يبعث قوة وحياةً في المضامين.. نصاً مثل هذا، للشاعر محمد الحسن سالم حميد، يغنيه وردي، ولولا ذلك لكان فهمه أصعب ما يكون:( طوّل مداميك الصبر/ سدابّة شرمات النباح / كل ما نزف من جوفو دم كل ما عزف لحنو الصباح/ نجم الميامين الحِمِش ينضارى شان تشرق شمش/ تدّي الحياة الناس، الحقول، الدابّة والطير والبِمش/ لكنو ماب يخبر افول).. هذا التنميق في فناء اللغة الواحدة، يعتبر إضافة للمعنى، فما بالك حين ننقل النص إلى لغة أخرى دون اصطحابه بحوامل أخرى؟.
إن ترجمة الأدب من لغة لأخرى، يفقده الكثير من المعاني التي استهدفها بارئ قوس النص. بعض اللهجات، بل ان أغلب اللهجات السودانية، تبدو عسيرة الفهم على الآخرين، خاصة والهوة تتسع كل يوم بين الألسن، لكون اللغة تتفاعل مع البيئة، ويجري عليها الكثير مما يجري على الاحياء.

في تجربتنا السودانية، حيث تتريف المدن تتلهجن اللغة تبعاً لذلك ولا تتقلص مساحات اللهجة التي يفترض أن تتوارى بزحف الناس نحو المدن.. ليس المطوب عند ترجمة الأدب تفسيره، بقدر ما المطلوب هو تأويل النص في سياق وعي وشعور المتلقي.

قد يعجز المترجم عن نقل روح المؤلف حتى لو كان ضليعاً في اللغتين، ناهيك عن هؤلاء الذين يقتحمون مجال الترجمة بلا زاد لغوي أو أدوات، لسبر أغوار اللغة ودهاليزها.
الترجمة هي إعادة إنتاج للنص، عن طريق الحرف، أو اللحن، أو حتى عن طريق الإشارة.. اذا كان هذا هو حال الترجمة بين لغتين، فإن الحال في اللهجات لا يقل سوءاً، اللهجات التي نطلق عليها تجاوزاً كلمة لغة، ما هي إلا أصوات تشكل في مجملها الالفاظ العامة النابعة من بيئة المجتمع، ولكل لهجة خصائصها التي تميزها عن بقية اللهجات الأخرى في اللغة الواحدة.. ثمة تشابه بين النقل من لهجة لأخرى، والترجمة من لغة لأخرى، أو ما يسمى باللسان الأم، أولى به اللهجة. اللهجة إنتاج شعبي خاص، والشاعر كقيثارة للشعب يستولف الاحلام ويقيدها في سطور.

الشاعر يكثِّف اللغة ويختصر بها مدى الصبر الطويل، فتحيا المعاني معه حياة جديدة، وفي سبيل الوصول الى تلك المعاني يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره، مثلما جازَ لود حد الزين أن ينصب المجرور في قوله: ( أنا استاهل وضعتك في مكانن ما مكانك)!.

لقد استجابَ وطرِبَ جميع السامعين لهذا الشجو الجميل، حيث نوّتَه المغني بتنوينٍ مفتوح، مع أن (المكان) كله مكسور الخاطر،، ذلك أن ما يجوز لمحمد وردي لا يجوز لغيره..

التعليقات مغلقة.

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي