رئيس التحرير

الجيش والثورة والطوارئ في السودان

الأربعاء 06-03-2019 08:53

كتب

غداة تزايد صخب الشارع المنتفض في أكتوبر/ تشرين الأول 1964، وعلو صوت الشعب المطالب برحيل حكومة الفريق إبراهيم عبود، أمرت تلك الحكومة آنذاك قائد الحامية العسكرية في الخرطوم، اللواء حمد النيل ضيف الله، بأن ينزل بجنوده، ويتصدّى للشارع الثائر، فجاء رد اللواء حمد النيل واضحا مستهجنا الأمر “إذا ما خرجنا فإن الناس سوف تموت”. وزاد بقوله إن الجيش السوداني لم يوجد ليقاتل المواطنين، وإنما الأعداء. ثم أبلغ القيادة العسكرية للجيش رفضه الحازم التصدّي للمتظاهرين، معتبرا أن هذا من صميم عمل الشرطة، وليس الجيش. اليوم، وإزاء الشارع السوداني المصطخب بالتظاهرات، لم يجد الرئيس عمر البشير حرجا في زج الجيش بكامله، وليس مجرد وحدة عسكرية، زجّه الى الشارع السياسي، مسجلا حالةً هي الأولى من نوعها في التاريخ السياسي الحديث في السودان. إذ لم يسبق أن أقدمت أي من الحكومات العسكرية التي سبقت حكم الإنقاذ الإسلامي على مواجهة الشارع الغاضب، باستنفار كامل الجيش السوداني، لمواجهة مواطنين عزلا، يرفعون راية السلمية في تظاهراتهم، وانتشار هذا الجيش على كامل التراب السوداني، ممثلا بالقيادات العسكرية التي جرى تعيينها في المحافظات.
إنه انقلاب بمجلس عسكري ممثلا في 18 رتبة عسكرية رفيعة، جرى تعيينهم حكاما على 18 محافظة في كل أنحاء السودان. وبصورة أخرى، هي نقلة بالغة الخطورة بوضع كامل الجيش في مواجهة كامل الشعب، وفي أنحاء السودان، وبفكرةٍ أساسيةٍ هي الحفاظ على نظام سياسي. وهي خطوةٌ مساويةٌ في خطورتها للانقلاب الأول للحركة الإسلامية التي رهنت وقتها مقادير البلاد بكاملها بيد حفنةٍ من العسكريين، كما قال المخطط الأول للانقلاب وقتها، حسن الترابي، في إفاداته لقناة الجزيرة في برنامج “شاهد على العصر”، إن ميزتهم الأولى هي “أن لا أحد بينهم يعرف الآخر”.
اليوم، يعيد الرئيس عمر البشير المغامرة بأخرى أشد خطرا على أمن السودان من مغامرته الأولى، وفي توقيتٍ بالغ الحرج من تاريخ السودان. وبغض النظر عن الاسم الذي اختاره للخطوات العسكرية أخيرا، فإن حالة الطوارئ ليست بالأمر الجديد، لأنها ظلت مفروضةً على السودانيين منذ عام 1989 بعد الانقلاب، فالذي يحكم السودان حزبٌ واحدٌ، فرض نفسه بقوة السلاح على الشعب السوداني، وحاول فرض أيديولوجيته على الناس، وجعل منها منهجا دراسيا، وحاول جعلها أسلوب حياة، ومارس قمعه الحريات بكل أشكالها. وباسم “الطوارئ”، مارس كل البشاعات من قتل وتعذيب وتشريد، من دون قيد أو رقيب، فليس في هذه الخطوة ما هو جديد على السودانيين أبدا.
وليس هذا ما يقلق ويخيف من الخطوة الجديدة للبشير، وإنما غموض الغرض منها، فالواضح من قمة جبل الجليد أن “الطوارئ” نصبت حزبا عسكريا كاملا حل محل حزب المؤتمر الوطني. كما أن خلو خطاب الرئيس بشأن الطوارئ لم يضمّنه أية رسائل واضحة تجاه الحوار مع القوى السياسية المعارضة الحقيقية التي تقود الشارع اليوم، ولم يطرح أية مبادراتٍ لحل الأزمة الاقتصادية التي تقود السودان نحو الإفلاس والانهيار. وغلب على الخطاب التمادي في حالة الإنكار، وتبسيط مخيف للأزمة وحصرها في شبابٍ ثائر بمقدور الحكومة تطويعه ولجمه. أما الخطوة الأكثر خطورةً، فتتمثل في تفويض البشير سلطاته واختصاصه، بوصفه رئيسا لحزب المؤتمر الوطني الحاكم، لنائبه الجديد أحمد هارون، باعتبار أن البشير سيكون “رئيسا قوميا لكل السودانيين”، ويتفرّغ لإدارة شؤون الدولة رئيسا قوميا. وأبسط ما يقال عن حديث الرئيس هذا أنه ممعن في السذاجة التي لا تليق برئيس مطلقا، وهي تجعل منه زعيما للمافيا أكثر منه رجل دولة، فهي خطوةٌ بمثابة إقرارٍ بأن البلاد كانت تُدار لمصلحة فئةٍ وحزبٍ وجماعةٍ واحدة، صادرت كل السودان ومقدراته لحسابها. وهذا جرم عظيم، وإقرار بحكم إجرامي حكم السودان ثلاثين عاما. هي خطواتٌ تدعو إلى الاستغراب، وتثير كل المخاوف مما ينتظر السودان ما بعد انقلاب الطوارئ.
إعلان حالة الطوارئ، وتعيين الولاة العسكريين، واستنفار الجيش بهذا السفور، ينذر بعنفٍ “حالة الطوارئ ليست بالأمر الجديد، لأنها ظلت مفروضةً على السودانيين منذ عام 1989”
مصرّح به تجاه المواطنين، وقد لا تعرف له حدود. كما أن إحلال الجيش مكان الحزب الحاكم الذي يبدو أنه لم يتبق منه إلا مليشيات على عثمان محمد طه، وتعيين أحمد هارون، بكل رمزيته الدموية، توحي بأن القتل والعنف المفرط قد يكون سيد الموقف. وأبرز مؤشّر على هذا القول أن تراجع الحزب الإسلامي الحاكم وراء دروع الجيش وعتاده، وجعل هارون الوجهة المدنية، يكشف عن عزم واضح من الرئيس إلى جر البلاد إلى مواجهة غريبة، وعنف في أقصى صوره وفوضى.
تنذر ترتيبات المشهد بمخاطر جمة، فالرئيس عمر البشير لا يُصغي لكل المناشدات الخارجية التي يميل عادة إلى سماعها، كما يصم أذنيه بطبيعة الحال عن سماع صوت الشارع السوداني، ومناشدته له بالرحيل، واختصرها “تسقط بس”. والسؤال الكبير: إلى أي مدىً يتفق الجيش السوداني، بكل مكوناته وإرثه التليد، مع ما يخطط له البشير، والمجموعة المقرّبة منه داخل المؤسسة العسكرية، فصمت القوات المسلحة لم يعد مفهوما في ظل وضوح معالم الساحة التي تقاد إليها. وبمعرفة دور الجيش السوداني، طوال تاريخه الذي كان نبيلا في ترجيحه صوت الشارع والمتجاوب معه، ليس المطلوب منه خوض المعركة إنابةً عن الشارع والشعب، وإنما حقن دماءٍ يُراد لها أن تُراق، وبإسم المؤسسة العسكرية، فهل يعيد التاريخ نفسه، ويلعب الجيش دوره حاميا للمواطن قبل نظام الحكم.. هذا ما ستوضحه تطورات الأحداث في الأيام القليلة المقبلة.

التعليقات مغلقة.

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي