رئيس التحرير

ثورات 2011: لحظة مؤسّسة ومستمرّة

الأحد 03-03-2019 06:00

كتب

بعد مرور ثمانية أعوام على لحظة انطلاق الثورات العربية عام 2011 من تونس إلى مصر فسورية، نظّمت “جمعية الثقافة العربية” في حيفا، ندوة بعنوان “ثماني سنوات على الثورات”، الأربعاء الماضي، في فضاء “مساحة” ضمن برنامج ندواتها الفكرية الشهري.

افتتح الندوة وأدارها الصحافي ربيع عيد، الذي بيَّن أنه، بعد عقود من المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية في ظل أنظمة استبداية، فإن الانتفاضات التي شهدتها ساحات مدن عربية مختلفة في 2011، تُعدّ حدثاً مؤسّساً في تاريخنا المعاصر، ما زالت أحداثه تتفاعل وتُلقي بظلالها على المنطقة العربية.

وأشار إلى أن الثورات العربية انحرفت عن مسارها لعدّة عوامل منها داخلية ومنها خارجية، أبرزها نجاح الثورات المضادّة في القضاء على الحراك الثوري، ودخول عدة دول في أتون الحروب الأهلية.

وتحت عنوان “ثورات الشعب يريد إسقاط النظام؛ هل أطاحت به أم أطاح بها؟”، جاءت المداخلة الأولى في الندوة، والتي قدّمها الباحث والناشط التونسي الأمين بوعزيزي، عبر السكايب من مدينة سيدي بوزيد في تونس.
وقال بوعزيزي إن “الشعوب أصبحت تفكّر أنها تعوّل على ذاتها في تغيير ما يجب أن يتغيّر. نظام بن علي حاول أن يمنع كل أدوات الثورة، فمنع الأحزاب وروّض الجمعيات، وسيطر على المنظّمات الحقوقية، لكنه لم يستطع أن يمنع قيام الثورة”، لافتاً إلى أن “الثورة في تونس انطلقت بغير أدوات الثورة وبغير تنظيرات الثورة”.

يتساءل الباحث “بماذا سدّ التونسيون هذه الفجوة؟”، ليجيب بأنهم فعلوا ذلك بـ “كتلة تاريخية جمعت كل ضحايا النظام الذين كانوا كتفاً بكتف في الشوارع حول الشعارات. شكّل المشترك الوطني بين التونسيين الجانب التنظيمي الذي قاد الثورة، حيث تناسى الناس خلافتهم ونزاعاتهم الأيدولوجية على مدار شهر ووقفوا ضد نظام بن علي وهذه هي نقطة القوّة في شهر الثورة في تونس”.

تطرّق بوعزيزي إلى التحدّيات الماثلة أمام الثورة التونسية، خصوصاً التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية، معتبراً أن هناك مكاسب عديدة استطاع التونسيون تحقيقها، خصوصاً في مجال الحريات السياسية.

في ختام مداخلته، أكد بوعزيزي على مركزية القضية الفلسطينية بالنسبة إلى الشعب التونسي، وعلى استمرار الحراك الساعي لتجريم التطبيع مع إسرائيل.

من جهتها، قدّمت الناشطة السياسية السودانية ولاء البوشي، عبر السكايب من مدينة الخرطوم، مداخلة بعنوان “ماذا يحصل في السودان منذ شهرين؟”، تطرّقت فيها إلى الأحداث المتسارعة لحركة الاحتجاجات المستمرّة في السودان.

واعتبرت البوشي أن الزخم الشعبي الكبير في حجم وشكل المشاركة الشعبية في المدن والأرياف السودانية هو أمر لم يشهده السودان من قبل. وأكّدت أن مطالب المتظاهرين الذين يخرجون بشكل يومي تتمثّل في عمر البشير، الذي تولّى السلطة في انقلاب عسكري عام 1989.

تناولت البوشي، في مداخلتها، شكل الحراك وآفاقه في ظل تعنّت النظام بعدم الاستجابة للشعب، وشرحت أشكال القمع الذي يتعرّض إليه السودانيون، مضيفةً: “بالنسبة إلى الحراك، سنواصل لأن النظام الموجود منذ ثلاثين سنة لن يسقط في عشرة أيام، حتى الشعب السوداني نفسه يحتاج إلى أن يتعافى من أفكار زرعها النظام وعلى رأسها فصل النساء عن الرجال. اليوم، بدأ الشعب السوداني يحتفي في وجود النساء في المقدّمة”.

ترى البوشي أن “الحراك مؤثّر، ولولا ذلك لما أُعلنت حالة طوارئ وحُلّت الحكومة وتخلّى البشير عن الحزب الحاكم. بذور التخلخل بدأت في الظهور، وبالنسبة إلينا الطريق واضح لإسقاط النظام، ونتمنّى من الشرفاء من الجيش أن ينحاز الى حماية الشعب. لا نريد أن نفقد المزيد من الأرواح”.

أما الكاتب الفلسطيني جوان ريناوي، فتحدّث في المداخلة الثالثة التي حملت عنوان “الماضي وسرد الماضي؛ سؤال الهوية السوريّة على ضفتي ثورة” عن الربع الأخير من القرن العشرين والإخفاقات السياسية الكبرى التي بلغ فيها الاهتمام بماضي سوريا والشرق الأدنى القديم بين النخب السورية تحت مظلة النظام مبلغاً غير مسبوق.

واعتبر ريناوي أنه جرى فرض الهوية القومية العربية شبه المعاصرة على الماضي والتاريخ والأقوام والكيانات التي عاشت في سياقه، مضيفاً أن هذا الحراك الثقافي برعاية الدولة نفسها، من خلال أذرعها ومنتدياتها وإعلامها، بقي على نفس الحال تقريباً حتى لحظة “الانفجار العظيم” في 2011.

كذلك، قدّمت الباحثة الفلسطينية مليحة مسلماني مداخلةً بعنوان “غرافيتي الثورة المصرية والفن الاحتجاجي”، تحدّثت فيها عن هذا الفن كأداة رئيسية من أدوات الاحتجاج والتعبير الوطني الثقافي في الثورات العربية، بعد أن ظلّ فنّاً ممنوعاً ومقموعاً لعقود طويلة في أنظمة الحكم الديكتاتورية العربية.
وأوضحت: “كان هذا الفن في بعض الدول العربية مقموعاً إلى درجة كبيرة، فقد كان يودي بصاحبه إلى الإعدام أحياناً، مثلما حصل في العراق، حيث كان يُعدَم من يضع شعارات مناهضة للبعث”، مضيفة: “مع اندلاع الثورات العربية، اندلعت أيضاً ثورة غرافيتي غيّرت في المشهد البصري”.

وعرضت مسلماني تجربتها الشخصية في توثيق غرافيتي الثورة المصرية وإصدارها كتاباً حول ذلك، تطرّقت فيه إلى المواضيع والأحداث التي رُسمت على الجدران وكانت تُحرّض وتنتقد وتناقش، وشكّلت فضاءً عامّاً جديداً، قبل أن يمسحها نظام الثورة المضادة.

يُذكر أن برنامج “حديث الأربعاء” الذي يتضمّن ندوة فكرية شهرية، كما صرّحت مديرة “جمعية الثقافة العربية”، رلى خوري، قبيل الندوة، يسعى إلى طرح قضايا ثقافية وسياسية وفكرية متعدّدة للنقاش، وإلى “إعادة الاعتبار لمكانة الندوات الثقافية في مجتمعنا كمرتكز أساسي في تشكيل الفضاء العام، بالإضافة إلى المساهمة في إنتاج المعرفة الفلسطينية من خلال تشجيع الكتّاب والأكاديميّين والناشطين على ذلك”.

 

العربي الجديد

التعليقات مغلقة.

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي