رئيس التحرير

بل مطلبية.. ومبررة

الأحد 10-02-2019 17:21

كتب

* يدعي بعض المحللين أن الاحتجاجات الحالية ليست مطلبية الطابع، ويزعمون أنها لا ترتبط بالضائقة المعيشية التي أمسكت بخناق الناس في بلادنا منذ فترة، ويستدلون على قولهم بذكر بعض الشعارات التي رددها الشباب في الشوارع، مثل (حرية سلام وعدالة)، كي يثبتوا بها أن الاحتجاجات لم ترتبط بمطالب معيشية ولا احتياجات مادية.
* يتشددون في ذلك الحديث، ويرددونه مراراً، وكأنهم يرون في مطالبة الناس بحقوقهم منقصةً لهم.
* هذه الهبة مطلبية الطابع، وذلك لا يشينها ولا يزدريها، لأن الحقوق التي رفع الناس عقائرهم للمطالبة بها لا تنفصل عن بعضها، فمن يحتجون على سوء الواقع الاقتصادي قبل السياسي، ينشدون في حقيقة الأمر حياةً أفضل تحفظ كرامتهم، وتصون عفتهم، وتضمن حريتهم، كي لا يقعوا في أسر الحاجة والمسغبة، وقد روي عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله (ما دخل الفقر بلداً إلا قال له الكفر خذني معك).
* الناس لا يلحون في طلب العدالة، ولا يستشعرون الظلم، ولا يحسون بالحنق على الحكام إذا تساووا في الحقوق، وساد العدل بينهم، وتوافر لهم معاشهم بلا مشقة.
* الفقير أسير حاجته، لأنها تشغله بدنياه، وتلهيه حتى عن دينه، لأن عقله ينشغل بكيفية إعالة نفسه وأسرته.
* من يحظى بحياةٍ كريمةٍ تمكنه من توفير قوت أبنائه، وتسهل عليه تنشئتهم وتعليميهم وعلاجهم وتوظيفهم، وتضمن له مستقبلهم لا يستشعر ذل الحاجة، ولا يصبح أسير مطالبه، ولا يجد في نفسه ميلاً إلى الخروج على الحكام.
* ذات المحللين الذين يجتهدون في إبعاد الاحتجاجات عن المطالب يعودون ليثبتوا عكس ما قالوا من حيث لا يدرون.
* يفعلون ذلك في معرض ذكرهم للإمكانات الكبيرة التي تتوافر للدولة، وفي لومهم للسلطة على عجزها عن إدارة تلك الموارد بما يحقق رفاه الشعب.
* الأمر في جوهره متعلق بفشل حكومي مشهود في إدارة موارد الدولة، وفي عدم توفير أبسط احتياجات الناس، وفي إحساس العامة بالحيف، وفي تمدد الشعور بفشل السلطة في صيانة كرامة الشعب.
* أولئك المكابرون يذكرون شعار (حراية سلام وعدالة)، ويغفلون هتاف المحتجين للشرطة (يا بوليس ماهيتك كم، ورطل السكر بقى بي كم)!
* عندما خرج أهل عطبرة إلى الشوارع ثائرين صبيحة يوم 19 ديسمبر كانت مخابز المدينة خاليةً من الخبز والدقيق، ومن أفلحوا في الحصول على بعض الرغيف بعد مشقة وجدوا سعر قطعته بثلاثة جنيهات.
* قبل ذلك استحالت حياة الناس بطول السودان وعرضه إلى سلاسل من المشقة، التي تجلت في صعوبة الحصول على الوقود والخبز والدواء والمال، وفي استشراء الغلاء، وشكوى الشباب من البطالة، وتمدد الفقر الذي بلغ نسباً غير مسبوقةٍ، تبعاً لانهيار قيمة العملة الوطنية في مواجهة العملات الأجنبية.
* الأمر في مجمله متعلق بحالة انهيار اقتصادي، وضائقة معيشية غير مسبوقة، أثارت الحنق، وضاعفت الغضب في نفوس العامة، واقترن ذلك كله بتفشي الفساد، وتواتر أخبار التعدي على المال العام، واكتنازه بواسطة قلة مترفة استباحت موارد الدولة، وكنزت مالها نهباً وسلباً، لتترك غالبية الشعب تعاني ذل الحاجة، ومرارة الفقر والحرمان.
* تلك هي حقيقة الأمر التي يجافيها من يتشدقون بأن الهبَّة لا علاقة لها بمطالب الناس ومعاشهم.
* عندما يحدث كل ذلك في دولةٍ يتحدث حكامها عن أنهم يتبنون مشروعاً حضارياً يرتبط بالدين فإن الحنق يتضاعف، لأن الدين الذي يتحدثون عنه قدَّم الحقوق على الحدود.
* المال في الإسلام مخصص لتقويم الحياة، وتحسين معاش الناس، لذلك حرَّم الدين التعدي عليه، ومنع أكله بالباطل، وحرص على تفتيته بالزكاة والميراث، ليصبح ملكاً للأمة من حيث النفع، حتى ولو تملكه البعض بالاختصاص.
* لو توافرت للناس حاجاتهم، واجتهدت حكومتهم في صيانة كرامتهم، ووفرت لهم سبل معاشهم، لما خرجوا عليها ثائرين يطلبون التغيير، ويجاهرون بالسعي للحصول على الحقوق.

التعليقات مغلقة.

كنداكة سودانية تلهب حماس معتصمي القيادة