رئيس التحرير

حكاية صندوق النقد الدولي !!

الإثنين 14-01-2019 06:18

كتب

في أوائل الستينات من القرن الماضي كنا تلاميذاً في المدارس المتوسطة ويسمونها هذه الأيام بالثانوي العام… وكان ذلك على أيام حكومة الرئيس الفريق ابراهيم عبود… وكان عبود أول رئيس سوداني يقوم بزيارة الولايات المتحدة الأمريكية ويحصل على بعض المساعدات التي تمثلت في “شارع المعونة” وشارع مدني الخرطوم وبداية نشاط صناعة السكر… وفي ذلك الوقت كان الحزب الشيوعي نشيطاً جداً حيث كان أعضاؤه يملأون الطرقات بالمنشورات المعادية للحكومة ويملأون الحيطان بالشعارات التي كان معظمها يتجه نحو مقاومة إنشاء السد العالي في مصر على حساب إغراق أهلنا في وادي حلفا وتهجيرهم إلى خشم القربة… ومن أمثلة ما يكتبون “لن يحكمنا البنك الدولي”… “بعتم حلفا يا خونة”… وأذكر أنه خرجت مظاهرة في عطبرة والتي كانت تسمى بعاصمة الحديد والنار… ويبدو أن طلاب الثانوي وكانوا أكثر معرفة باللغة الإنجليزية حيث كانت كل المواد تدرس باللغة الإنجليزية… ولهذا فقد كانت الهتافات نفسها باللغة الإنجليزية لأننا كنا حديثي عهد بالإستعمار البريطاني الذي غادرنا قبل خمسة سنوات فقط. ومن أهم هذه الهتافات قولهم “داون داون يو أس أيه”… وكنا نردد من ورائهم بدون أن نفهم الهتاف قائلين “داون داون يوسف أيه”… وكنا نفهم أن يوسف هو شيخ الحلة التي ينحدر منها معظم التلاميذ… ويبدو أن أحد أهل الحلة كان حاضراً لمشهد المظاهرة بتاعة “داون داون يوسف إيه” وقام بإخبار عمكم يوسف بأن أولاد الحلة يهتفون ضده فإشتكى لأهلنا فرداً فرداً قائلاً بأن “ولدكم بقى شعوعي”… يعني ولدكم صار شيوعي….

وبعد أن كبرنا شيئاً فشيئاً في السن والتعليم وتخرجنا من الجامعات علمنا أن البنك الدولي من الجهات التي تقدم الإعانات والقروض “الحسنة” وكذلك القروض “الما حسنة”… وعلمنا أننا لم نكن محتاجين ولا محقين في أن “ننبذ” البنك الدولي ونهتف “لن يحكمنا البنك الدولي”… ثم علمنا أن هناك حاجة ثانية اسمها صندوق النقد الدولي International Monetary Fund وهذا هو ما يستحق “الشتيمة” و “النبذ” لأنه قد يفرض شروطاً على الدول ويلزمها بإرشادات ولوائح تبدو قاسية في كثير من الأحيان… وحكاية صندوق النقد الدولي تشبه مجموعة من الناس رأوا أن يعملوا “ختة” أو “صندوق” ليقوم بتسليف من يحتاج وبالشروط التي يقول الصندوق للمستلف “العايز قروض عليه الإلتزام بالشروط والماعيز ما حدش غاصبو…”

وقد تم إنشاء البنك الدولي World Bank في عام 1944 في أعقاب الكساد العالمي عام 1930 وتأثر العالم بالحرب العالمية الثانية في مدينة برايتون وودز في أمريكا وحيث ضم البنك أربعة وأربعين عضواً غالبهم من دول أوروبا الغربية بغرض تركيز الجهود لتنمية إقتصاديات الدول الأعضاء… وتتبع للبنك الدولي حزمة من الأجهزة لها أدوار تكاملية مثل I.B.R.D بنك التشييد والتنمية و I.D.A وكالة التنمية الدولية ومؤسسة “ICSID” الخاصة بالمنازعات ومؤسسة M.G.A الخاصة بتقديم الضمانات ومؤسسة IDA و IFC المعنية بالبحث عن تمويل القطاعات الخاصة غير الحكومية… ويعمل ما يفوق السبعة آلاف موظف بالبنك الدولي وفروعه في كل العالم في الدول الأعضاء والتي يصل عددها إلى مائة وثمانين عضواً. وقد قدم البنك الدولي للسودان قروضاً كثيرة ومنح وهبات غير مستردة وأخرى طويلة الأجل جداً جداً.

أما مؤسسة صندوق النقد الدولي I.M.F فدورها يتمثل في تنظيم الجوانب النقدية بين الأعضاء والتشجيع على التبادلات التجارية وخلق الوظائف ورفع المستوى المعيشي… وتستعمل في ذلك بعض الآليات من بينها حقوق السحب الخاص “Special Drawing Rights” لتحديد مستوى النقد ومكافئة ومعدلات السحب.

وقد ترى كثير من الحكومات – خاصة في أفريقيا – أن صندوق النقد الدولي “يحشر أنفه” في شئونها ويحدد لها خارطة الطريق الإقتصادية… وتقوم إزاء ذلك بإتهامه بالتدخل في سياستها الداخلية بينما أن ما يفعله الصندوق هو عبارة عن شروط كان متفقاً عليها وكانت أصلاً من بنود عقد إستلام التمويل… وهنا يا جماعة لا داعي لأن نهتف “لن يحكمنا البنك الدولي”… ولا داعي لأن نهتف قائلين “لن يحكمنا الصندوق الدولي”… فقط علينا أن لا نطلب منهم شيئاً… وبالطبع لا داعي لأن نهتف “داون داون يوسف إيه”… لأن السيد يوسف ليس له أي علاقة بالولايات المتحدة الأمريكية….

التعليقات مغلقة.

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي