رئيس التحرير

السودان ومعركة كسر العظم

السبت 12-01-2019 13:07

كتب

المتابع لردات فعل الحكومة السودانية الأخيرة تجاه الاحتجات الشعبية العنيفة التي دخلت أسبوعها الثالث وعمت قرى ومدن السودان، يلحظ المحاولات الحكومية المستمية لتجاوز هذه الأزمة التي تمسك بخناقها. ومنذ تفجر التظاهرات ألقى الرئيس البشير خطابين جماهريين وأُجري معه حوار تلفزيوني، بالاضافة إلى حوار تلفزيوني آخر مع نائبه الأول السابق علي عثمان محمد طه، بالاضافة إلى مخاطبة جماهيرية له كذلك في مدينة بورتسودان. إن قراءة وتحليل هذه الأنشطة الدفاعية الهادفة إلى امتصاص الغضب الجماهيري الكبير، يشير إلى أنه لم تزل هناك قدرة على المقاومة النشطة لدى النخبة الحاكمة في سعيها لصد مناوئيها ولا نقول الجماهير التي خرجت مطالبة بالعيش الكريم، لأن المعركة الآن غدت مكشوفة وغدت معركة كسر عظم بين الحكومة والأحزاب اليسارية بشقيها السياسي والعسكري. لكن السؤال هو ما مدى قوة هذه المقاومة وما مدى قدرة الطرف الآخر على الاستمرار في الاستثمار في الهبة الجماهيرية؟
يشير ظهور النائب الأول السابق للبشير على مسرح الأحداث متصدرا المدافعة السياسية بالإضافة الى الفعل الأمني الرسمي المسؤول عن كبح المظاهرات، وباعتبار الاثنين معا – المدافعة السياسية والمعالجات الأمنية – يمثلان الآلية التي يستند إليها البشير في معركته، أمر يشير الى غياب أجهزة وشخوص حزب المؤتمر الوطني الحاكم، عن ساحة الفعل المقاوم بشكل واضح عدا بعض المؤسسات والواجهات التي تعامل معها البشير وغرفة إدارة الازمة بشكل مباشر. صحيح أن النائب الأول السابق يحمل صفة قيادي بارز في الحزب، إلا أنه لا يشغل موقعا تنفيذيا في هياكل الحزب.
وتبادل البشير وطه الأدوار في أسلوب الخطاب السياسي، حيث تحمل طه عبء الخطاب السياسي الخشن، بينما حاول البشير أن يلتمس طريقا ناعما في خطابه وحطم الرجل الصورة العقلانية التي بناها لنفسه كسياسي خلال مسيرته السياسية الطويلة وقد برزت هذه الصورة إبان قيادته لمحادثات اتفاقية السلام الشامل مع حركة التمرد في جنوب البلاد والتي أفضت إلى فصل هذا الجزء في يوليو 2011.
ومع ذلك كله نجد أن الفعل الحكومي المقاوم للتظاهرات مازال يراوح محطة الفعل التكتيكي وردود الفعل ولم ينفُذ الى الفعل الاستراتيجي والذي يتطلب في حده الأدني إطلاق مبادرة سياسية تتضمن تغييرات جذرية ومؤلمة تهدف الى إرساء خطوات عملية في طريق حل المعضلة الاقتصادية التي كانت سببا رئيسيا للغضبة الجماهيرية العاصفة التي استثمر فيها خصوم الحكومة. ويبدو أن الخرطوم لا تتعلم من أخطائها فحسب بل تكررها؛ ففي العام 2016 عمدت إلى التقليل من دعوات العصيان المدني الذي تحقق بصورة جزئية في 27 نوفمبر، بيد أنه شكّل أكبر تحدٍ شعبي لحكومة البشير منذ توليها السلطة في يونيو 1989. فلم يتم استخلاص العبر ودراسة ما حدث بعقلانية وروية، لأن ذلك الحراك قامت به في الأساس فئة شبابية غير حزبية وكان ذلك مكمن الخطورة؛ فالمعركة مع المعارضة التقليدية بعللها محسومة ، لكن المعركة مع هذه الفئة لا يمكن النظر إليها بأقل من أنها تحد خطير.. أما الحراك الحالي فيبدو أكثر قوة وعنفوانا وكشف عن حالة وعي شاملة انتظمت قطاعات كبيرة من المجتمع الشبابي، مستلهما تجربة الربيع العربي في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وفي ذات الوقت نجد حال المعارضة الحزبية السودانية ليس بأحسن حالا من حال الحكومة؛ ونخشى عليها من مآل تجربة المعارضات العربية. وليس المشكلة مقتصرة على محاولاتها سرقة هذه الاحتجاجات فحسب؛ إذ يسعى بعضها لتشكيل مجلس حكم انتقالي في الخارج برعاية بعض الدول. ولا نقول شططا إن قلنا أن المعارضات العربية ظلت في عمومها تنقض غزلها بيدها وكانت المحصلة فشل مشاريعها السياسية بعد سقوط الدكتاتوريات، فقد صبت جل اهتمامها على إدمان الشعارات والخطب الديماغوجية، دون أن يكون لها مشروع بديل للحكم والإصلاح حال وصولها إلى سدة الحكم.
أما المعارضة السودانية التي تحاول اليوم الاستثمار في حراك صنعه الشباب، لا تستطيع الاجابة على أسئلة بسيطة مثل ما هو البديل الذي يريده الشعب؟. بل إن هناك سؤالا جوهريا ومهما وهو ما هو الخطّ الفاصل بين إسقاط النظام وبين عدم إغراق الوطن في الدماء والفوضى وربما إزالته من خريطة العالم.

اضف تعليق

السودان يطالب بآثاره المسروقة والبعض يرد اتركوها للغرب