رئيس التحرير

مصر ورئاسة الاتحاد الأفريقي

الجمعة 11-01-2019 11:24

كتب

وإذ يُثار جدلٌ واسعٌ بشأن تولي الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، رئاسة الاتحاد الأفريقي التي سيتسلمها من الرئيس الرواندي، بول كاغامي، بدايات العام الجاري (2019)، فقد أثير من قبل عندما تولاها رئيس زيمبابوي، روبرت موغابي، حينها. وما يجعل هذه الترشيحات متعارضةً مع رمزية الإتحاد الأفريقي، الفكرة التي بناها الآباء المؤسسون بعد حركات التحرّر الأفريقية؛ نظراً لما يحمله الملف الشخصي للرئيسين، والمثقل بانتهاكات حقوق الإنسان، والفتك بالمعارضين والتضييق على المواطنين، وكبت حرية التعبير.
منذ بداية الألفية الأخيرة، والاتحاد الأفريقي تواجهه تحدياتٌ تتفاقم يوماً بعد يوم، لأنّ جذور هذه المشكلات تنغرس عميقاً في تاريخ القارة السمراء، فالديكتاتورية والحروب أنتجت الإرهاب والتطرّف والفساد، وأبقت على الفقر والأوبئة والأميّة. استوجب ذلك وضع جدول أعمالٍ يتجاوز إمكانات الاتحاد الأفريقي الذي يحتاج هو نفسه إلى إصلاحات مؤسسيةٍ وإجراءاتٍ فاعلةٍ لاخراج العمل الأفريقي المشترك من قاعات المؤتمرات والشعارات إلى برنامج عمل واقعي، يأخذ بيد الشعوب الأفريقية، لتواكب متطلبات العصر ومقتضيات العولمة.
وقبل ذلك، يحتاج الاتحاد الأفريقي إلى حل المشكلة الاقتصادية الاستراتيجية التي قد تعصف بهذه الوحدة المفترضة، فعلى سبيل المثال، يتضاءل حجم التبادل التجاري بين الدول الأفريقية لصالح دول أخرى. يوجد في إفريقيا ثماني مناطق تجارة إقليمية، لا تضم الواحدة فيها من بين عضويتها أكثر من نصف دول القارة. وهذا يسلّط الضوء على عبارة الاستعمار الجديد مرة أخرى، وهي من ضمن العبارات التي كان يستخدمها بعض القادة الأفارقة، مثل الزعيم الغاني كوامي نكروما، وغيرها من العبارات التي قصدت إلى ضرورة الوحدة ونبذ التبعية. وذلك بالنظر إلى الثروات والموارد التي أسّست للتبعية الاقتصادية لدول الشرق والغرب، في ظل انعدام سوق أفريقية مشتركة، ما يُعدُّ فشلاً ذريعاً لمنظمةٍ يتجاوز عمرها نصف قرن.
نظّمت مصر واستضافت، في نهاية العام المنصرم، معرض التجارة البينية الأفريقي، كما انعقدت اجتماعات “أسبوع الاتحاد الأفريقى للقانون” بحضور 40 دولة أفريقية، حيث ركّزت المناقشات على قانون البحار والعمل على حل النزاعات البحرية، والمياه، والطاقة. كما ناقشت اتفاقيات الاتحاد الأفريقى وكيفية تطبيقها بالشكل الأمثل، وتوطينها لتعتبر جزءاً من القوانين الداخلية للدول، نظراً للمشكلات التي تعتري بعض التطبيقات للاتفاقيات من بعض الدول الأعضاء، بسبب قلة الخبرات أو عدم معرفة بعض الدول جيدا فوائد الاتفاقيات التي تم اعتمادها.
وما يثير القلق هو تعليق السفيرة نميرة نجم، المستشار القانوني للاتحاد الأفريقي، إنّ تولي مصر رئاسة الاتحاد الأفريقي سيكون وفقاً لأولويات الحكومة المصرية، فمساواة الحكومة مع الدولة مؤشّر خطير على سلب مؤسساتها السيادية بواسطة النظام. وإذا كانت أجندة الاتحاد تُعنى بالسلم والأمن والزراعة والصحة في أفريقيا، فما يمكن أن تقدمه مصر على الطاولة سيكون أجندة النظام الخاصة، متقدمةً على أجندة الاتحاد الأفريقي، وعلى تحقيق الأجندة التنموية 2063، خصوصا مع ضعف حماسة عبد الفتاح السيسي للدفاع عن هذه الإصلاحات التي تم طرحها بداية العام 2018. خصوصا أنّ أهم مطالب الإصلاح تهدف إلى ضمان الاستقلالية المالية للمنظمة، لإعطائها وسائل امتلاك استقلاليتها السياسية، فالراجح أنّ السيسي لن يعمل على الدفع بهذه الإصلاحات، هذا إن لم يوقفها، وقد وجد التربة خصبةً لتنفيذ سياساته الداخلية على المنظمة، كما أنّه سيتيح الفرصة للقوى الدولية، لمواصلة عرقلتها قيام الاتحاد الأفريقي المنوط به إيجاد حل للنزاعات وحفظ السلام، وذلك لتأمين هذه القوى نفوذها التقليدي ومصالحها الاستراتيجية في القارّة.
وبناءً على واقع البرامج في مجالات حفظ السلام والصحة والتعليم التي يتم تمويلها من الخارج من شركاء الاتحاد الأفريقي، يمكن الوقوف عند الكيفية التي سيتمكّن بها من فعل ذلك، بتنفيذ مبادئه وسياساته، وهو عاجز عن وضع برامجه، ولا يقوم بتمويلها. فمنذ تكوّنه عام 2002 بديلا لمنظمة الوحدة الأفريقية التي تأسست منذ 1963، عانى الاتحاد الأفريقي من الشتات والانقسامات السياسية نفسها التي تعاني منها دول القارة التي يحمل اسمها، والاعتماد على الخارج، حال كل المنظمات الإقليمية.
الأمر الآخر أنّ مصر السيسي من ضمن البلدان الأفريقية المتحفظة على منح الاتحاد الأفريقي القدرة على اتخاذ قراراتٍ بدلاً عنها، وعلى منح مفوضية الاتحاد الأفريقي أي سلطاتٍ وجزءا من السيادة، بل تعتبرها تلك البلدان موجودة لتنفّذ مقرراتها. وهذا التحفّظ تعبير عن الاستياء، بسبب تعليق عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي عاما بعد إطاحة الجيش الرئيس الشرعي المنتخب، محمد مرسي، ووصول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم في 2013. وقد استعاض الاتحاد الأفريقي الذي جمّد عضوية مصر بعد الانقلاب عن ذلك بتشكيل لجنة عالية المستوى لمتابعة تطورات الشأن المصري، تسلمت مهامها يوم 8 يوليو/ تموز، أي بعد ثلاثة أيام من الانقلاب. وبعد عام من اتخاذ ذلك القرار، أعاد عضوية مصر، وبذلك اعترف بالجنرال رئيساً.
يلزمنا التفريق بين الدولة والنظام في مصر. ووفقاً لذلك، تستحق مصر هذه الرئاسة، لعدة مقومات هي: أمر الهوية في مصر محسوم لصالح الشمال الأفريقي، بدون التعقيدات القبلية التي تزعزع أفريقيا جنوب الصحراء. وهذه الميزة بشكلٍ عام هي ما جعلت مصر لا تغشاها أمراض العصبية، ولا العنصرية، إلّا في عهد السيسي، أو بما يُمارس ضد النوبة في جنوب مصر.
وهناك الموقع الجيوسياسي المهم والفاعل الرابط بين ثلاث قارات، وإذا كانت دول القارة الأفريقية أشد حاجةً إلى الاتحاد والتعاون الداخلي، خصوصا في جانبه الاقتصادي، فإنّ موقع مصر المشرف على دول أخرى عديدة، ومنافذ بحرية وتجارية مهمة، مثل قناة السويس، سيمنح الاتحاد قوةً، قد تغيّر توازنات التعامل التجاري المستنزف موارد القارة إلى تعاون لصالحها.
ومن المقومات أيضاً الإرث الحضاري والتاريخي الذي يثبت أفريقانية مصر قبل الهجرات العربية والأوروبية، فالتاريخ المصري أقدم تاريخ مخطوط في المحيط الأفريقي، وحضارتها سبقت تشكيل حضارات أخرى في القارة.
وكانت كل هذه المقومات ستكون عناصر نجاح لرئاسة مصر للاتحاد الأفريقي، لو كانت (مصر) تحت حكم ديمقراطي، لأنّ السيسي تائهٌ، عاد يغنِّي بلسانٍ أفريقي غير مبين، ما طاب له الغناء، ما دام ذلك سيحقّق أجندة الرئاسة وأجندة قوى إقليمية أخرى. ويصلَّي بلسانٍ عربي بقدر ما يلقون به في خزائنه، وبقدر تثبيتهم له على كرسي الحكم. ولكن، نظراً لأنّها الآن تحت حكم جنرالٍ ليس بينه وبين الجنرالات الأفارقة كبير فرق، فإنّ انسجامه معهم سيكون وارداً، فهذه المنظمة الأفريقية تضم أكبر عدد من الأعضاء، هم في الأساس جنرالاتٌ جاءوا إلى حكم شعوبهم إثر انقلابات عسكرية، وتكوين حكوماتٍ فاسدةٍ لزعماء يهدرون موارد بلدانهم، ويتركون شعوبهم غارقةً في الفقر والمرض والجوع والحروب.
من شأن تولي السيسي رئاسة الاتحاد الأفريقي أن يخلع رداء الحماسة عن قضية الإصلاحات والنكوص عن العتق من التبعية، لأنّه يحبس الاتحاد في أتون ممارساته في سياسته الداخلية. وبهذا، فإنّه لن يفعل سوى تحويل أزمات القارة إلى عالمه الوصولي الدائر في فلك مصالحه الذاتية.

التعليقات مغلقة.

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي