رئيس التحرير

التكنولوجيا وخراب الميزانية المنزلية

الخميس 10-01-2019 09:19

كتب

تجدد الحديث والترويج مؤخرا عبر وسائل الإعلام عن الغسالة الذكية، التي تتولى بنفسها فرز الغسيل القذر وهرسه بمجرد إعطائها الأمر بذلك عبر الإنترنت، حتى ولو من على بعد ألف كيلومتر، وقد احتفت الصحف والتلفزيونات الغربية بهذه الغسالة أكثر من احتفاء بعض العرب بصفقة القرن، التي يروج لها وحيد القرن دونالد أبو جهل ترامب (وحيد القرن كان شعار جمهورية السودان بعد الاستقلال، وتمت الإطاحة به بعد أن شكا المواطنون من أنه أغبى حيوان يعيش في البراري).
وصفقة القرن التي يروج لها ابن العم والغم بنيامين نتنياهو وهو يغني: شرم برم كعب الفنجان.. نأخذ غزة ونابلس كمان، تجعل البعض يترحم على مقترحات الرئيس الأمريكي الأسبق بلبل كلينتون لحل المعضلة الفلسطينية، وكان يريد لتلك المقترحات أن تكون حسن الختام بتحقيق إنجاز يخلد حقبته كرئيس للولايات المتحدة، بعد أن أثبت جدارته كتيس فحل (إذا ساء التعبير السابق المعتادين على تأليه الزعامات، والكاثوليكيين أكثر من البابا فهذا هو عين المرام!!)؛ ثم ما البأس في تشبيه الإنسان بالتيس في زمن تصان فيه حقوق الحيوان أكثر من حقوق الإنسان؟ ألم يحسب بعض العرب أنهم دخلوا الألفية الجديدة بإنجاز يرفع الرأس عندما اكتشفوا أن شرش الزلوع الذي اكتشفوه في جنوب لبنان هو فياغرا التيوس، وحاولوا الترويج له بين الآدميين؟
المهم: من الواضح أن العلم الحديث منحاز للمرأة، فقبل الغسالة الذكية كانت هناك سلة القمامة العبقرية، التي تتصل بالمجمعات الاستهلاكية إلكترونياً لتطلب المواد الناقصة في البيت، وتفعل ذلك بجرد وحصر ما يلقى فيها، وبمجرد أن تدرك – مثلا – أن كمية معينة من مناديل الورق ألقيت في جوفها، تعرف أو بالأحرى تقرر أن مخزون البيت من تلك المناديل قد نضب، وترسل إشارة إلى المتجر، وبداهة فإن هذه السلة ستخرب بيوتنا في العالم العربي، لأن سلال القمامة عندنا تمتلئ على مدار الساعة بسلع استراتيجية، فإذا تصرفت السلة تلقائياً وطلبت المزيد من تلك السلع، فسيحتاج الكثيرون منا إلى مخازن بمساحات ضخمة، فكمية الأرز التي نصبها في براميل القمامة في اليوم الواحد، تكفي لاستئصال المجاعة في إفريقيا لسنة كاملة، والعربي يفهم الكرم بالمقلوب، ويعتقد أن وضع طن من الطعام أمام الضيف الواحد هو قمة الكرم في حين أنه قمة السفه والبطر، فالكرم ليس هو استعراض الإمكانات المادية أمام الضيف، بل إذا كان الضيف ذا إمكانات متواضعة، فقد يشعر بالحرج، لأنه يحس بأنه لن يستطيع أن يعاملك بما عاملته من سفه إذا حللت يوماً ما ضيفاً عليه، وبعض الناس يشكر المضيف بأنه «ما قصر معي وذبح خروفين لما زرته في البيت»، وهكذا صارت «مَعَزَّة» ابن آدم تقاس بالخراف وكمية اللحم.
زوجتي تتوهم أنها عربية، ولم يحدث أن استضفنا إنساناً دون أن يسبق ذلك مشاجرة بيننا، حول ماذا نقدم للضيف/ الضيوف، ونتيجتها معروفة وهي أنني أرغم على رفع الراية البيضاء (ربنا على المفتري): يكون ضيفنا على العشاء سودانياً، وإذا لم تقدم له الفول أصيب بالاستسقاء وتضخم البروستات، ولكنها تقدم له طعام آخر الزمن الذي يعد بالكتالوج، وتضع أمامه عدداً من الأطباق حتى يصاب بالحول وهو يمر بناظريه عليها، وما هو أشد إيلاما من ذلك هو أنها ترغمنا لعدة أيام تالية، على أكل الطعام السكند هاند المرتجع من مثل تلك الوليمة، ولو حدث – لا قدر الله – أن امتلكنا مثل تلك السلة الحشرية التي تتصل بنفسها بالميرة وكارفور واللولو، فستدخل بيتي يومياً أطنان من الصحف والمجلات، لأن زوجتي تجد متعة بالغة في التخلص من المطبوعات التي اجلبها إلى البيت، زاعمة أن أمد صلاحية الجريدة اليومية لا يزيد على سبع ساعات؛ والمجلة يومان؛ فهي تعتقد أن الصحف والمجلات ضرّاتها لأنني أقضي وقتاً طويلاً معها بزعم أنني أريد متابعة أحوال العالم العربي فتخرسني بقولها: حال العرب مكشوف، ولا يتطلب الإلمام به قراءة.
عندها أتذكر حكاية المواطن العربي الذي عذبه رجال الأمن بعد أن قبضوا عليه وهو يوزع أوراقاً ليس فيها حرف واحد، فلما احتج على التعذيب وهو يوزع أوراقا بيضاء ليس فيها سوء أو ما يسيء، قال له حضرة الضابط: أعلى هامان يا فرعون؟ أنت تريد أن تقول إن حال البلد لا يحتاج إلى كتابة!

jafabbas19@gmail.com

التعليقات مغلقة.

عثمان ذو النون: #مقتل_معلم_مقتل_أمة