رئيس التحرير

عن شاشا وقيم في منتهى الهشاشة

الثلاثاء 11-12-2018 08:41

كتب

عن شاشا وقيم في منتهى الهشاشة هذه مادة من أرشيفي، استعيدها كلما قرأت أو سمعت حكاية تتعلق بجحود ابن آدم، وانهيار القيم، وأبدأها بزوجين هولنديين زارا بلدة ريفية صغيرة في تركيا خلال العطلة الصيفية، ولاحظا أن العديد من القطط تعيش على مقلب القمامة القريب من مقر إقامتهما، فاقتربت منهما قطة وأطعموها وجبة نظيفة، ولأن القطط تعتقد أن البشر خُلقوا لخدمتها، فقد بقيت تلك القطة معهم وأدمنت الطعام الفاخر، ولازمتهم طوال إقامتهم في تركيا، وباتت تستجيب كلما نادوها باسم شاشا، ثم انتهت الإجازة وعاد الزوجان إلى هولندا، وبعدها بأشهر قليلة سمعا عبر وسائل الإعلام أن السلطات التركية بصدد قتل كافة الحيوانات الضالة، فما كان منهما إلا أن استقلا الطائرة وعادا إلى تركيا وقلبا الشوارع فوق – تحت حتى عثرا على الآنسة شاشا، وعلى الفور أدخلوها الحمام ونظفوها وذهبوا بها إلى الكوافير ثم استخرجوا لها الأوراق اللازمة للسفر، واصطحبوها معهم إلى هولندا، متكبدين في كل ذلك آلاف الدولارات.
وما لم يكن يدركه الزوجان الهولنديان هو أن قطط الشوارع الشرقية «شوارعية»، وحب الصياعة والصرمحة جزء من تكوينها الجيني، وهكذا ولأن الطبع يغلب التطبع، فإن القطة شاشا أرادت القيام بجولة في مقالب القمامة في الحي الهولندي الذي بات موطنها (وتلك من خصال القطط الرديئة)، فمهما أحسنت إطعامها فإنها تطارد الصراصير والفئران، وتعتبر براميل القمامة مرافق سياحية ترفيهية وبوجه عام فإن الخواجات، أي الأوربيين والأمريكان لا يلقون بأي بقايا طعام عليها القيمة في براميل القمامة، لأنهم يطبخون فقط ما يكفيهم ليومهم، وليسوا أسخياء مثلنا نحن الذين نقدم لبراميل الزبالة نصف ما نطبخه، ومن ثم كانت القطقوطة الحليوة شاشا تلف وتدور من مقلب قمامة إلى آخر، دون أن تجد ولو فأرا أو صرصارا، بل أصيبت بالإحباط عند اكتشافها أن القمامة الهولندية ليست كاملة الدسم، فقررت الذهاب إلى منطقة الأسواق علها تجد فأرا بحاجة إلى رجيم تصنع منه باربكيو للغداء، ولأنها كانت قروية الأصل، فإنها لم تحترم إشارات وقواعد المرور، وقررت عبور الشارع، ولكنها لم تنجح في الوصول إلى الجهة الأخرى منه، وذلك لسبب بسيط، وهو أن سيارة مسرعة هرستها!! وكثيرا ما نقرأ مثل هذه الحكايات ونعجب لما نراه «فياقة – من فائق ورائق» من جانب الغربيين الذين يوصون لحيواناتهم الأليفة بالشيء الفلاني، أو يتركونها في فنادق راقية عند السفر، ونعرف جميعا أن الغربيين استعاضوا بالحيوانات عن القرابة والصداقة، أي إن التفكك الأسري وتنامي النزعات الفردية، جعل الملايين منهم يسيئون الظن ببني البشر، ويفضلون الحيوانات عليهم!! ولكن ما هو جميل فيهم هو أنهم سريعون لتلبية دعوات الاستغاثة الإنسانية بنفس سرعتهم لإنقاذ الحيوانات التي تتعرض للخطر ولكن هل قرأتم حكاية السيدة العجوز في دولة عربية غنية جدا التي شكت من ولديها الراشدين اللذين انقلبا عليها بعد وفاة زوجها، الذي هو والدهما فطرداها من البيت، فاضطر ابن بار بها إلى استئجار شقة لإيوائها؟ وأخرى ألقى بها ثلاثة أشقاء في الشارع لأنهم متزوجون و»اللي فيهم يكفيهم ومو فاضين لدوشة وطلبات واحدة عجوز محتاجة لزيارة الطبيب مرة في الأسبوع على الأقل»؟ هذه بعضٌ من آلاف القصص التي تشهدها أوطاننا بعد أن أصبح كل واحد منا يقول: يا دنيا ما فيك إلا أنا!! وصرنا نكره أبناء عمومة الدم، أكثر من كرهنا لأبناء عمومة الغم، «بني إسرائيل»، وصار الأخ يكيد لأخيه ويزوج أخته من فلان (من خلال صفقة) فقط ليفوز بجاهه بمناقصة كسيحة، أو قرض غير حسن، وإذا سرنا على هذا المنوال فسيأتي علينا قريبا يوم نصبح فيه كلابا ونوصي بثرواتنا للكلاب!!

التعليقات مغلقة.

السودان يطالب بآثاره المسروقة والبعض يرد اتركوها للغرب