رئيس التحرير

عمر البشير و30 عاما من «التسخين الرئاسي»!

الثلاثاء 11-12-2018 08:34

كتب

من مآسي العمل السياسي في السودان، أن الرئيس عمر حسن البشير حكم هذا البلد 30 عاما، ولا يزال، على الرغم من أن الدستور يقيّد عدد الفترات الرئاسية في اثنتين، كل واحدة من خمس سنوات.
بعد ثلاثة عقود مستمرة، يريد البشير تعديل مواد في الدستور بحيث تتيح له إحداها البقاء في الرئاسة أكثر من فترتين متتابعتين، وتمنحه أخرى صلاحيات أوسع في تعيين المسؤولين الحكوميين وإقالتهم.
كأن الرئيس البشير يقول للسودانيين أن كل السنوات التي قضاها رئيسا كانت «تسخينا» للقادم، أو كانت «فترة تعارف» قبل أن يبدأ حكمهم.
لا غرابة أو مفاجأة إذا تعدّل الدستور في الاتجاه الذي يريده الرئيس السوداني والمدافعون عنه في البرلمان وخارجه. لا شيء يوحي بأن التعديل مشكلة كبرى. هو سيناريو مألوف جرَّبته أكثر من دولة عربية: يصل الرئيس بانقلاب، فيحكم عدداً من السنين، ثم يعدّل الدستور ويترشح بلا منافسين، أو بأرانب سباق يُدفَعون إلى الاعتقاد بأنهم منافسون حقيقيون. ما بعد ذلك معروف. الاختلاف في حالة البشير يكمن في الزمن وفي النتائج التي حققها الأخير لبلاده وشعبه.
عندما يحقق مبتغاه، سيدخل «الزعيم» السوداني كتاب غينس للأرقام القياسية، ويتفوق على رفيقه العقيد معمر القذافي الذي توقف «مسار عطائه» بعد اثنتين وأربعين سنة، وهو في ذروة الاستعداد لإهداء ليبيا إلى نجله سيف الإسلام.
الخطوة التي يعتزمها البشير، يجب أخذها في سياقها المحلي والإقليمي. لم يكن الرجل ليُقبل عليها لولا الحالة المأساوية التي يعيشها المجتمع السوداني على كل الأصعدة، والتي هي من ثمار حكم البشير. نكّل بخصومه ومعارضيه، وشجع على الدوس على الحريات، وتخبط بين أشكال وأشكال من الإدارة، وبين تطبيق الشريعة من عدمه، فكانت النتيجة إخفاقا وفراغا مدمرَين. الفراغ هو ما ساعده على البقاء ومَنَحه حق المطالبة بالاستمرار. لقد أمسك البشير بالسودان وهو ديمقراطية ناشئة وفريدة تتلمس طريقها في محيط مستبد، فعاد به قرنا إلى الوراء، وجلب له من الكوارث السياسية والاستراتيجية والجوع والفقر والخراب ما لم (ولن) يجلبه له أشد أعدائه. عندما يصبح أيّ شعب فريسة للاستبداد والفقر واليأس والشعور بعدم الأمان والخوف من المستقبل، يسهل على أيّ كان تمرير أي مشروع مهما كان خطراً أو ضاراً. ذلك أن الحاجات والأولويات تتغيّر وقد تنقلب رأسا على عقب. هذا بالضبط حال السودانيين مع رئيس تسلم بلداً ضخما مستقراً، فوضعه فوراً في حالة حرب مع أغلب جيرانه الأقربين، وأصرَّ أن يمضي به من كارثة إلى أخرى فبلغ الأمر ذروته بتنازله عن ثلث مساحته بعد 22 سنة في الحكم. وما كان البشير يفكر في تعديل الدستور لولا الطعنة التي تلقتها أحلام شعوب المنطقة العربية في الحرية والديمقراطية: بدايةً بتعطل مسار التغيير الذي انطلق في 2011، ثم انتقالا إلى عودة أشباح الديكتاتورية والطغيان في شكل ثورات مضادة بدعم فاجر من دول عربية غنية لكنها عبارة عن سجون كبرى.

ماذا قدَّم البشير للسودان حتى يطلب من شعبه منحه حق الاستمرار في الحكم، أو يأتي مَن يطلب له ذلك؟ وماذا بقي في جعبته من مفاجآت لم يرها السودانيون خلال السنوات الطويلة الماضية؟ وهل لديه خير للسودان وعدد سكانه 40 مليون نسمة واقتصاده في حالة انهيار، بينما لم يقدم له شيئا عندما كانوا 20 مليونا وإمكانات البلد الاقتصادية أفضل؟
بعدما يعدل الدستور ويُفتح له باب الرئاسة مدى الحياة، سيصبح البشير رمزاً للثورة المضادة في السودان مرتين: الأولى عندما استلم الحكم بانقلاب عسكري على تجربة ديمقراطية ناشئة، والثانية عندما تلاعب بالدستور ليبقى رئيسا مدى الحياة غصبا عن حق أجيال من السودانيين في رؤية غيره رئيسا.
لسوء حظ هذه المنطقة أن نموذج البشير ليس الاستثناء. هناك نماذج أخرى فعلت مثله، أو في الطريق.. مصر، الجزائر، سوريا وحتى الدول المنكوبة حاليا عندما تستقر أحوالها.
تذكير سريع بأن البشير عاصر رئيسا ـ ولا يزال:
ـ الاتحاد السوفييتي ثم انشطاره.
ـ توحيد ألمانيا.
ـ ميلاد دول واختفاء أخرى في أوروبا الشرقية وآسيا.
ـ الحرب الباردة ونهايتها.
ـ سبعة رؤساء حكومة في بريطانيا.
ـ خمسة رؤساء فرنسيين.
ـ خمسة رؤساء أمريكيين (كل واحد منهم عمل فترتين).
ـ ثمانية رؤساء وزارة في إسرائيل.
ـ حروب البلقان.
ـ احتلال العراق للكويت، واحتلال أمريكا للعراق.
ـ ثمانية نهائيات كأس العالم.
ـ سبع دورات ألعاب أولمبية.
ـ الإفراج عن الزعيم نيلسون مانديلا (1990).
ـ ولادة الإنترنت، ثم ثورة وسائل التواصل الاجتماعي والكثير من الإنجازات العلمية التي يصعب حصرها هنا.
بعد كل هذا وأكثر يسأل هل من مزيد!

توفيق رباحي

التعليقات مغلقة.

الحصاد- السودان.. ترقب لنتائج اجتماع القصر