رئيس التحرير

وَصِيّة مُعتز للعُلَمَاءِ!!

الخميس 11-10-2018 17:06

كتب

جدولي الصباح يبدأ بمحكمة الصحافة، في المتوسط جلستان يومياً، وأكون محظوظاً لو وقع ميقات الجلستين مُتقارباً بعض الشيء حَتّى لا يَضيع مَزيدٌ من الوقت في الانتظار الصّعب.
أمس؛ اخترت أن أقضي الفاصل بين الجلستين – وكان ساعةً كاملةً – لأُتابع من الراديو في سيارتي البث المُباشر للمُؤتمر الذي أقَامَته وزارة التعليم العالي وتحدّث فيه السّيّد رئيس الوزراء مُعتز موسى.
مُعتز اختار أسلوب “الصدمة”؛ ففاجأ الحُضُور النوعي الكثيف في القاعة بسؤالٍ ذكي، لماذا لم تتضمّن الأوراق العلمية توصية بتوسيع وتشجيع (البحث العلمي)؟
سُؤال مُعتز ذكّرني مشهداً في مسلسل مصري، الرجل دخل على زوجته في البيت مُتوتِّراً وهو يخبرها أنّ جماعة تُحاول مُقاضاته في مسألة مالية، وقال لها (من بكرة أروح أدوّر على مُحامي شَاطرٍ).. فسألته زوجته بمُنتهى الدّهشة (يا راجل مُش إنت محامي؟) ردّ عليها بدهشةٍ مُضادةٍ (آه والله فكرتيني، أيوه أنا برضو مُحامي).
هل نسي منسوبو التعليم العالي أنّ مُهمّتهم الأولى البحث العلمي، فذكّرهم بها رئيس الوزراء؟ الإجابة لا.. لا بالطبع لكنهم تعمّدوا إغفاله لأنّهم يدركون الواقع المهيض.
عُلماؤنا الأجلاء يَدركون أنّ أول شُرُوط ومطلوبات البحث العلمي لا تتوفّر في واقع السُّودان الآن، ليس مطلوبات مادية أو لوجستية، بل المَنَصّة التي يجب أن يُبنى عليها البحث العلمي، حُرية التفكير والضَمير.
هل تتوفّر لنا شُرُوط البحث العلمي؟ هذا السُّؤال ليس تشكيكاً في مُؤهِّلات وخبرات علمائنا، بَل استقصاء حول أول وأهم أركان البحث العلمي.. بيئة البحث العلمي الحقيقي.
أول شُرُوط البحث العلمي الجَاد المُثمر تُوفِّر (الحُرية) بمعناها الحقيقي، فالبحث العلمي هو استخدامٌ للعقل في الاستنباط، فإذا كان العقل مُقيّداً ومُكبّلاً بالخُطُوط الحَمرَاء وما أكثرها، فلن ينطلق بِحُريةٍ، ولن ينجب فكرة أو حَلاً أو حتّى مُجرّد “توصية” نافعة.
الحُرية بمعناها الشامل، حُرية الفكر والعقل، وحُرية الضمير المَهموم بهواجس الخوف من فقدان المزايا الوَظيفيّة أو الوظيفة نفسها أو حتى مُجرّد فرص الترقي مُستقبلاً.
يا تُرى، هل يستطيع أستاذٌ جامعيٌّ في أيّة جامعة سُودانية أن يُمارس البحث العلمي في قضايا تقع ضمن قائمة الممنوع من اللمس، ثُمّ يستخلص الخلاصات التي يصل إليها بكُلِّ حُريةٍ ويَعرض نتائج بَحثه دُون أن يلحق به أذى أو ضررٌ؟
مثلاً؛ هل يستطيع “أجعص” عالم سُوداني أن يَتَبَنّى بحثاً حول أسباب فشل الدولة السُّودانية الحديثة، وينطلق تفكيره بكل حُريةٍ في الهَواء الطَلق ليذكر كل الأسباب؟!
في العاصمة وحدها عشرات مراكز الدراسات والبُحُوث، هل يوماً قرأتم بَحثاً تَستطيع الدولة أن تبني عليه قرارات أو خُططاً جادة؟
هل يستطيع أستاذٌ جامعيٌّ أن ينطق جهراً برغبته في بحثٍ علمي في موضوع يقع في دائرة المُحَرّمات السِّياسيَّة؟
السّيّد رئيس الوزراء، أفتحوا أبواب الحُريات لتقطفوا زهور العُقُول السُّودانيّة النَّيِّرة… فخلف الأبواب المُغلقة تذبُل الزُّهور.

التعليقات مغلقة.

السودان يطالب بآثاره المسروقة والبعض يرد اتركوها للغرب