رئيس التحرير

سائق ركشة آخر من بلادي السودان

الخميس 09-08-2018 00:32

كتب

إسماعيل، سائق ركشة (وهي مركبة ثلاثية العجلات تعمل عمل التاكسي) يقطن حي الأزهري بالخرطوم، وعمره إحدى وعشرين سنة من سنوات حكم الإنقاذ المجدبة، أعاد إليّ في الصباح الباكر جوالي الذي سقط من جيبي في مركبته في الليلة السابقة. قدّم إلى الجوال وهو يعتذر لأن ركشته تعطلت فحضر متأخراً.
افتقدت الجوال بعد أن وصلت، عند حوالي منتصف الليل، إلى الشقة المستأجرة في حي الرياض الغارق آنئذٍ في مياه الأمطار الراكدة. خمنت أن أكون أضعته في الركشة أو المطعم أو في أي مكان آخر. ولما اتصلت على رقم جوالي استمر الرنين بلا رد. وفي الصباح، لغبطتي الشديدة، جاء رد إسماعيل مُبشرا: “الأمانة موجودة”. كان يقصد بالأمانة الجوال المفقود، وأنا فهمتُ أن الموجود شيء في إسماعيل تفتقده بلادنا في أبنائها، وهو الأمانة.
في صباح ذلك اليوم، خرج إسماعيل من منزل والديه لا ليكسب المال لنفسه، بل ليوصل “الأمانة”. وفي صباح ذات اليوم، خرج الكثيرون من مسؤولي البلد ومتنفذيه، لا ليؤدوا الأمانة، بل ليكسبوا المزيد من المال!
لئن أعاد إسماعيل جوالي ولم يطمع فيه، فقد أعاد سائق ركشة آخر مبلغا كبيراً من المال لصاحبه ورفض أخذ أي مكافأة. الأمانة عبادة، وجزاء العبادة من الله وليس من المخلوقين.
أقسمُ بالله غير حانث: لو تحلى قادتنا ووزراؤنا والمسؤولون والموظفون، والتجار والطلاب والعمال والمهنيون، في بلادنا بأمانة سائق الركشة الذي قابلته لصارت بلادنا غنية مكتفية غير محتاجة، وغير متسولة على موائد الآخرين، وغير مسترزقة في معارك الآخرين.
الخير الموجود الآن في بلادي يكفيها ويزيد ويفيض. لا أقصد ما هو ممكن، بل ما هو كائن الآن. ناهيك عن أنه يمكن أن يتضاعف هذا الخير مئات المرات بالمزيد من العمل، والمزيد من العلم، والمزيد من الإيمان.
لكي نحيا ونعيش بكرامة، لسنا، في الحقيقة، بحاجة إلى أكثر مما هو موجود بالفعل الآن. لا نقول أقسموه بالتساوي؛ بل أقسموه بالعدالة، وكلوا ولا تسرقوا.
الغافلون يظنون أننا لا نملك الآن ما يكفينا!
يظنون أننا بحاجة إلى حقول نفط، ومناجم ذهب، وإلى أن نمد أيادينا وهي سفلى لكي نعيش بكرامة!
يظنون أننا بحاجة إلى بيع دماء أبنائنا وماء وجوهنا لكي نعيش لنأكل!
يا لغبائهم أو، بالأحرى، يا لخبثهم!
تلك خديعة كبرى! نحن لدينا الآاااااان ما يكفينا! المشكلة الوحيدة هي أن هناك شرذمة قليلين يسرقون قوت الملايين. ولو توقفوا عن السرقة لما جاع شخص واحد في بلادنا!
في بلادنا، قد يستأثر المتنفّذ الفاسد الواحد لنفسه بما يمكن أن يسد رمق مليون مواطن (فمؤخراً سرق أحدهم 120 مليون دولار)، أو يسرق المسؤول الواحد ما يكفي لعلاج ألف شخص من أمراض مستعصية، أو يسرق الموظف الفاسد الواحد ما يكفي لبناء مساكن لمائة أسرة. أو أكثر من ذلك أو أقل. وقليل الفساد يفضي إلى كثيره. وكل الفساد فساد، ولو كان أخذ شق تمرة.
أقسم بالله غير حانث: بالأمانة وحدها، وبدون زيادة في الإنتاج، وبدون “عباقرة” اقتصاديين، وبدون خطط خمسية وعشرية، وبدون مساعدات دولية، نستطيع إشباع الجوعى، وعلاج المرضى، وتعليم الصغار والكبار: فقط بالأمانة والنزاهة في استخدام ما هو موجود بالفعل الآن.
حين كنت أقف في الشارع في انتظار إسماعيل، سائق الركشة، ليعيد إلي جوالي، كان عبد العظيم، القادم مع أسرته من بلجيكا لقضاء إجازته بين الأهل، يجلس في ظل الضحى على “عنقريب” حارس العمارة. ذهبت وجلستُ إلى جنبه وأخبرته بسبب انتظاري. وعندما أوقف إسماعيل ركشته أمامنا وأخرج الجوال ومده إلي أحس عبد العظيم برجفة تسري في جسده وطفق يردد بلسانٍ دامع: “البلد لسه بخير، البلد لسه بخير”. سبقني عبد العظيم في إخراج رزمة من الأوراق النقدية دسها، بالقوة، في جيب إسماعيل وهو يثني على والديه إذْ أحسنا تربيته.
أمام الثناء والتقريظ، كان إسماعيل، المتعفف، ثابتاً وغير مبالٍ، فلم يستخفه الإطراء، ولم يستخفه المال، بل كان يردد: “الموضوع عادي وأنا ما داير حاجة”.
يا إلهي! لقد أدركت الفرق الهائل بين إسماعيل وجميع المسؤولين السارقين في بلدي: إسماعيل “ما داير حاجة”، والمسؤولون دايرين كل حاجة: المال والجاه والسمعة والنساء والسيارات والفيلات والتهليل والتطبيل والرقص…!
إسماعيل يريد أن يوصل الأمانة إلى صاحبها، والسارقون يريدون أن يصلوا إلى “الأمانة” ولا يهمهم صاحبها!
ويا إلهي! لقد ألهمني إسماعيل أيضاً الشرط الأساسي الذي يجعل المسؤول صالحاً لحكم البلد: أن يكون مثل إسماعيل “ما داير حاجة” بل يريد فقط أن يوصل “الأمانة”.
ثبات إسماعيل إزاء الإطراء والمديح تقابله خفة قادتنا ومسؤولينا، وطربهم ورقصهم، أمام كلمات النفاق التي تحوّل أعمالهم وواجباتهم العادية إلى إنجاز وإعجاز. فقد صار نصب عمود كهرباء، أو فتح صنبور مياه، مناسبة للتهليل والتطبيل، تبرق فيها الكاميرات، ويتصدر صداها النشرات!
أمانة إسماعيل سائق الركشة، الشاب البسيط، ملأت قلب عبد العظيم السوداني البلجيكي، الخبير المثقف، بالتفاؤل، وجعلته يحس بأن الحبال التي تشده إلى وطنه قد ازدادت متانة، وبأنها ستجره عائداً إلى وطنه يوماً قريباً إن شاء الله. سائق ركشة بسيط يزرع التفاؤل ويغذي حلم العودة في قلب سوداني هاجر منذ أكثر من عشرين عاماً! ذلك، بينما مسؤولون كبار في البلد يزرعون التشاؤم، ويغذون حلم الهجرة في قلوب الشباب السوداني ويدفعونه  إلى الغرق في مياه البحر المتوسط أو حتى إلى الغرق في العار في إسرائيل.
يملك إسماعيل ركشة قديمة متهالكة، وجوالاً كثير الأعطاب،  و”غير ذكي”، ولكنه يملك القناعة والأمانة، ويملك قلباً “ذكيا” بالمحبة والإيمان والأمانة، فلم يطمع في جوال جديد استودعه صاحبه كل خصوصياته. لو فعل، لضاع الكثير من زخم إجازتي. أما الحكام في بلادي، ففعلوا عكس ما فعل إسماعيل، أي طمعوا في حقوق الناس، فأضاعوا حياة المواطنين، وحولوها إلى هم وغم يوميين.
المتنفذون في بلادي أثرياءُ مادياً، يملكون مالاً ودوراً، وسيارات، وزوجات مثنى وثلاث ورباع، وهواتف ذكية، ويملكون السلطة، ولكنهم ليسوا أغنياء، فلا يملكون قناعة إسماعيل سائق الركشة ولا أمانته، ولا ذكاء قلبه؛ أما إسماعيل، وأمثاله، فليسوا أثرياء، لكنهم رغم فقرهم أغنياء بالتعفف، أغنياء بقناعتهم وأمانتهم، وأغنياء بالله الذي سينصفهم ولن يدعهم، ولن يترك السارقين يفلتون من العقاب.
لقد أنعم الله عليّ بضياع جوالي لأقابل إسماعيل، ففي مقابلته بشرى عظيمة لنا جميعاً: إن هؤلاء، الذين يتحكمون، مؤقتاً، في قوت الشعب، هم الفقراء حقاً برغباتهم وطمعهم، وهم الوضعاء حقاً باستكبارهم، وتشبثهم بالحكم، ولكنهم لا يملكون خزائن رحمة ربنا، ولا يستطيعون أن يحجبوا دعاءنا وتضرعنا، ولا يمسكون السماء أن تقع على رؤوسهم المستكبرة. البشرى العظيمة هي أن الأمل موجود حتى في الشباب البسطاء من سائقي الركشات، فهؤلاء المتواضعون، المتعففون، الأمناء، “الما ديرين حاجة”، بل يريدون فقط إيصال “الأمانة”، هم البديل الذي لن يطول انتظاره، بإذن الله تعالى.

 

بقلم: الريح عبد القادر محمد عثمان

اضف تعليق

معتز مطر: السودان تحرر جنودنا المخطوفين و ضحكات السيسي تتعالي مع الشباب .. ؟!!