رئيس التحرير

تأملات في ظاهرة عبد الوهاب المسيري

الأربعاء 11-07-2018 13:36

كتب

لا نهدف في هذه العجالة للتعريف بعبد الوهاب المسيري (1938- 2008) أو لاستعراض ما تيسر من سيرته العلمية والبحثية، ليس فقط لأننا نظن أنه من الأعلام التي لا تحتاج لكثير تعريف، ولكن لأن السير الذاتية المجردة والترجمات الشخصية أصبحت من أسهل ما يمكن الحصول عليه لمن يرغب في ذلك، ويبحث عنها في مظانها، بل وصلنا مع التقدم الرقمي الذي نعيشه، مرحلة أصبحت فيها أكثر الكتب والمؤلفات التي كان أبناء الجيل السابق يتمنون استعارتها أو يحلمون بقراءتها، متاحة بين يدي العامة عبر نسخ إلكترونية مجانية متوفرة لكل من يمتلك الإنترنت.
تذكر عبد الوهاب المسيري يبدو مهماً هذه الأيام، فالتبسيط والتفاهة اللتان كانتا عدوه الأكبر سادتا وملأتا الأفق. والهويتان العربية والإسلامية اللتان كان يجاهد من أجل حث الأجيال المقبلة على التمسك بهما، والتقوي بهما كسلاح في معارك الوعي المقبلة أصبحتا ضائعتين، ما أدى لدخولنا بامتياز عصر انحطاط فكري لم يسبق له مثيل، يتميز باختلاط الرؤى والمفاهيم، بل باختلاط الحق والباطل.
كثير من المنابر العربية الجادة استغلت فرصة ذكرى وفاة المسيري (الموافقة للثالث من يوليو/تموز) من أجل التذكير بمشروعه البحثي والفكري الذي كان بكل المقاييس استثنائياً ومختلفاً، وهذا، لعمري، يجب أن يكون محل تحليل ونقاش، ويجب علينا جميعاً أن نحاول الإجابة على هذا السؤال المتعلق بأسباب كون ذلك الكاتب مختلفاً عن غيره من الكتاب، أو الباحثين أو الأكاديميين. ما هو سر التفرد والاستثنائية التي ميزت أعماله والتي جعلت كتبه وكلماته حية بيننا إلى يومنا هذا بالحيوية والفاعلية ذاتها؟
يتذكر كثيرون اليوم عبد الوهاب المسيري وقد نعته على مر الأيام شخصيات بخلفيات أكاديمية وثقافية وسياسية مختلفة. الغريب هو أن معظم هؤلاء كانوا يتحدثون عنه حديث الطالب المعجب بأستاذه، كأنه كان أستاذهم جميعاً فعلاً. من هؤلاء طبعاً من عاصره وجالسه واستمع إلى كلماته بشكل مباشر وتأثر بها، مثل الباحثة هبة رؤوف التي ظلت وفية لأستاذها ومحافظة على تراثه وشارحة له، ولكن أغلب الناعين كانوا ممن تأثروا «عن بعد» بمنهجه حين قرأوا أو استمعوا له، فأعجبوا بطريقته في التحليل والسرد، وبصبره على جمع المعلومات، وقدرته على ممارسة ما يشبه الاعتكاف في سبيل الوصول إليها. كانت نتيجة ذلك الاجتهاد هي خروج مادة علمية مميزة مقدمة في قوالب غير مألوفة، وأسلوب فريد يستطيع أن يربط بشكل سلس بين مجالات معرفية مختلفة.
هل يكمن سر الاستثناء في ذلك الربط المعرفي بين مجالات اعتدنا أن ننظر إليها نظرتنا إلى المعارف المنفصلة غير المرتبطة، مجالات كالأديان والسياسة والأدب والاجتماع واللغة والتاريخ والفن والعلوم الإسلامية؟ الأكيد هو أن ذلك على الأقل جعل المسيري يخرج من ضيق الأطباق الأكاديمية التي تظل تحرص، وبشكل ما، تحرّض على تعليب الباحثين ضمن نطاقات محدودة لا يستطيعون الفكاك من أسرها. لقد حرر المسيري نفسه باكراً من ذلك التعليب الذي تسبب ويتسبب دائماً، في أن تكون أغلب البحوث الأكاديمية باردة لا جدة فيها، رغم أن الإتيان بجديد هو من أهم الشروط النظرية لأي بحث علمي. ذلك النفق الذي دخلته الجامعات العربية، سرعان ما تمدد وتوسع مع الأيام. تضاعفت أعداد الجامعات اليوم، وهي تنتج الآلاف من الأساتذة من حملة الشهادات العليا بشكل سنوي، لكن الحقيقة المرة التي لا تذكرها الإحصاءات المتفاخرة هي، أن القليل من هذه الأرقام يصنع فارقاً معرفياً. تصبح المقارنة أوضح حين نتذكر أن الأسماء المهمة التي شغلت أو ما تزال تشغل الناس اليوم، تخرجت في معظمها في جامعات غربية أو مرت بها على الأقل خلال مسيرتها الأكاديمية، بل من أولئك من أصبحت بحوثهم وأطروحاتهم مثاراً للجدل وإعادة التنقيب على صعيد عالمي. المسيري مثال ناجح على ذلك، لكنه ليس المثال الوحيد، ويكفي أن نذكر على سبيل التمثيل على تلك القدرة المحمودة في القفز على التخصصات والجدران المتوهمة للمعرفة، اسم أستاذ الاستشراق وعلوم ما بعد الاستعمار إداورد سعيد، الذي ربما لو لم تكن أسرته قد غادرت في وقت مبكر للولايات المتحدة الأمريكية لأصبح مجرد أستاذ لمادة اللغة العربية أو الإنكليزية، سرعان ما تطوي اسمه الأيام.
هناك تشابه يمكن ملاحظته بسهولة بين كل من عبد الوهاب المسيري وإدوارد سعيد، فكلاهما يحمل الأدب الإنكليزي كتخصص أساسي، وكلاهما عاش في الغرب، وكلاهما قدم للفلسفة الغربية نقداً موجعاً، مثّل صدمة لم يستطع كثير من الباحثين الغربيين احتمالها. تميز كلاهما بفعالية نقدية نتجت من نجاحهم في مخاطبة الغرب بلغته ومصطلحاته وتفاصيل مفردات بيئته نفسها، مستندين في سبيل تحقيق ذلك، ليس فقط إلى الاختبارات المعرفية والحنكة النقدية، وإنما أيضاً على خبرة اكتسباها من المعايشة والمعاشرة. في الوقت ذاته فإن انشغال عبد الوهاب المسيري بأسئلة الحداثة وما بعد الحداثة، وبنقد الأفكار الغربية وتصميم موسوعة شاملة ما تزال فريدة من نوعها حول اليهود واليهودية والأساطير الصهيونية، كل ذلك لم يكن ليمنعه عن مراقبة واقعه والتطرق لموضوعات قد يراها البعض غير ذات شأن، كالدمية باربي وأفلام الكرتون الأجنبية، خاصة «توم وجيري» وغيرها من التفاصيل التي يفرد لها مساحات في كتاباته ومناقشاته، رابطاً بينها وبين قضايا الاستلاب الحضاري والاستهلاك والحداثة الخادعة. ذلك الربط بين تلك القضايا المعرفية والفلسفية، وذلك الواقع المعيش، كان أحد أسباب القبول الذي حصل عليه المسيري، بالإضافة إلى الثراء الفكري الذي حظي به عبر انتقال سلسٍ من داخل التيار اليساري إلى مسار أقرب للطرح الإسلامي، وإن لم يتماه بشكل تام مع أي رؤية حزبية سياسية. المهم أن كل ذلك منح شخصيته انفتاحاً وتفهماً وقرباً من أغلب المثقفين، الذين ظلوا ينظرون إليه باحترام، وإن اختلفوا مع بعض ما كان يذهب إليه.
من الطريف أن كل واحد من المعلقين على هذه الذكرى كان يكتب من زاوية البصمة التي وجدت حظاً عنده، وهكذا تتعدد نوافذ القراءة من خلال تعدد زوايا البصمات. على سبيل المثال يذكرنا المحقق اللغوي محمد علي عطا في بوست أخير له، بمقال قديم للمسيري تطرق فيه لظاهرة الفيديو كليب الخليع في بداية انتشاره، معلقاً على أغنية كانت حديث المجالس حينها قبل أن تزاحمها وتنافسها عشرات، بل مئات غيرها. في حين تكتب فاطمة الصمادي الباحثة في الشأن الإيراني في مركز الجزيرة للدراسات قائلة: «مما أذكره من أستاذنا المسيري، رحمه الله، أنه كان لديه دفتر صغير يسجل فيه أسماء مجموعة كان يطلق عليها «أبنائي» مكونة من شباب في مختلف بقاع الأرض، وكان يخصص وقتاً لمهاتفهم والاطمئنان عليهم دورياً». وتضيف: «عندما كنت في إيران كان يتفقد أحوالي دائماً ويصغي بشغف لملاحظاتي حول مجتمع كنت أحاول أن أفهمه».
كان هذا مجرد غيض من فيض، أما بقية جوانب حياة الرجل وجمع كل ما قيل فيه وعنه من شهادات لرموز وشخصيات من أجيال مختلفة فأمر لا يسعه مقال واحد، بل ولا حتى كتاب.

اضف تعليق

كلمة الاستاذ علي محمود حسنين في ندوة حركة تحرير السودان مكتب لندن