رئيس التحرير

عن الارتباط بين الاتفاق النووي والكرامة الأوروبية

الأربعاء 13-06-2018 16:47

كتب

بالإضافة إلى العامل الاقتصادي المفهوم والواضح والأسباب الأمنية التي تستند إلى النظرية الرائجة التي تقول، إن الاتفاق النووي الإيراني يجعل أوروبا أكثر أمناً، يتضح للمتابع أن هناك سببا آخر يكمن خلف الدعم الأوروبي اللامحدود للاتفاق، رغم التكلفة العالية لهذا الدعم، خاصة على صعيد الشراكة والعلاقة مع الولايات المتحدة. هذا السبب هو ما يمكن أن نطلق عليه اسم «الكرامة الأوروبية».
تعززت هذه الفرضية لدينا بعد متابعة ردود الفعل الأوروبية على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الانسحاب من الاتفاق النووي، حيث بدت غاضبة ومتشجنة ورافضة لهذا القرار، الذي جاء بلا تشاور ومن دون أخذ أي اعتبارات بعين الاهتمام. بالنسبة للأوروبيين مثّل ذلك إهانة وصفعة قوية ليس فقط للنظام الإيراني، ولكن أيضاً لهم كشركاء وحلفاء.
في الواقع فقد كان الاتفاق النووي نجاحاً أوروبياً بالأساس، وقد تولى الأوروبيون لوقت طويل عبء إقناع الجانب الإيراني بالدخول في مفاوضات دبلوماسية، في سبيل الوصول إلى اتفاق مرضٍ يخدم جميع الأطراف، ويرد على انشغالات وهواجس الجميع. صحيح أن الولايات المتحدة دخلت بقوة على خط التفاوض خلال حقبة الرئيس السابق باراك أوباما، ووزير خارجيته جون كيري، وهو الدخول الذي أضفى قدراً كبيراً من الحيوية على العملية التفاوضية، وساهم في إنجازها على النحو المطلوب، إلا أن الاتفاق لم يكن ثنائياً، بقدر ما كان دولياً ومدعوماً من قبل عدد كبير من الشركاء، وأكثر من ذلك مدعوماً بقرارات الأمم المتحدة التي يفترض أن يحترمها الجميع.
رد الفعل الأوروبي الأول تمثل في محاولات إنقاذ الاتفاق، عبر حضّ إيران على عدم الخروج منه وإقناعها بأن الشراكة مع الأطراف الأخرى سوف تكون مجدية وأنها سوف تستمر. من الناحية النظرية يبدو ذلك ممكناً، فلا تستطيع الولايات المتحدة سوى القيام ببعض العقوبات الأحادية المنفردة، نظراً لعدم استنادها إلى مسوغات قانونية مقنعة، لكن من الناحية الواقعية فالولايات المتحدة ليست مجرد دولة من الدول وعقوباتها الأحادية هي في الحقيقة عقوبات دولية مغلظة.
هكذا، وبشكل لا مثيل له في التاريخ الحديث، بدت وجهة النظر الأوروبية أقرب لوجهة النظر الروسية، الداعمة بشكل مطلق للاتفاق، التي كان رأيها منذ البداية أنه يجب عدم السماح للولايات المتحدة بالتلاعب بهذه الطريقة بالاتفاقات الدولية، لأن هذا يقوّض مصداقية النظام العالمي بأكمله. سوف تجد أوروبا نفسها مضطرة ربما في مقبل الأيام للاقتراب أكثر من المحور الصيني الروسي، للجم الفوضى الأمريكية، وإخراج العالم من المظلة الأحادية التي تحاول الإدارة الحالية نقل الجميع إليها. هذا الاقتراب ستترتب عليه نتائج وتبعات، فروسيا وإن لم تكن عدواً صريحاً، فهي منافس يجب العمل على إضعافه وكبحه، على الأقل بحسب المخيلة الاستراتيجية الأوروبية، أما الرهان عليها على حساب الشريك الأطلسي الأهم فيبدو خياراً غير مأمون العواقب مع أنه وارد.
التصعيد بين الطرفين الأمريكي والأوروبي ما يزال مستمراً. يعلن الاتحاد الأوروبي عن خطة لمكافحة العقوبات الأمريكية الأحادية على إيران، فتعلن الولايات المتحدة بدورها عن رفع الرسوم الجمركية على الصلب والألمنيوم، وتتابع القيام بدور العابث بجميع الالتزامات المسبقة بحجة الحفاظ على المصلحة الوطنية.
لا يبدو أن الأوروبيين بصدد الاستسلام وهم مستعدون، حسب تصريحات متحمسة أخيرة لرئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر وللرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لدعم الشركات من أجل متابعة عملها في إيران، وهو ما بدا لكثير من الفاعلين، وعلى رأسهم المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، غير واقعي، إذ لا يمكن للجانب الأوروبي أن يستمر لوقت طويل في تعويض الشركات المعاقبة أمريكياً فقط للحفاظ على وضعه الدولي وإثبات مكانته.
من ناحية أخرى تواجه مساعي التصدي للولايات المتحدة أوروبياً عقبة أخرى تتمثل في تحدث هذا الاتحاد بأصوات مختلفة وفي تغليب دوله للمصالح الوطنية على حساب مصلحة المجموع، وهو ما سهل على الجانب الأمريكي الدخول مع بعض أطرافه في اتفاقات وصفقات جانبية على نحو منفرد. يحذر حالياً عدد من المسؤولين الأوروبيين من هذه المساعي قائلين إنها قد تكون خطوة نحو تفكيك هذا الاتحاد الذي يعاني بالفعل من كثير من الشروخ.
المطالبون بخفض التصعيد من الأوروبيين يقترحون إعادة التفاوض على الاتفاق النووي بشروط جديدة، كخيار مناسب لجميع الأطراف. لا يخفى هنا أن الغرض الأهم من هذا الخيار الثالث، إضافة لحفظ المصالح الاقتصادية، هو حفظ الكرامة الأوروبية وخروج الدول الراعية بمظهر محترم أمام شعوبها، كما أمام الرأي العام العالمي. لسوء حظ الأوروبيين، فإن هذا الاقتراح مرفوض حتى الآن بقوة من قبل الجانبين الأمريكي والإيراني على حد سواء، وهو ما يجعل القارة العجوز أمام خيارين لا ثالث لهما وهما: إما الاستمرار في التصعيد مع تحمل التكلفة الكبيرة لذلك أو إعلان الاستسلام.

التعليقات مغلقة.

معتز مطر: السودان تحرر جنودنا المخطوفين و ضحكات السيسي تتعالي مع الشباب .. ؟!!