رئيس التحرير

اللجوء والهجرة: نفق في نهاية النفق

الأربعاء 16-05-2018 09:53

كتب

فرضت أزمة اللاجئين نفسها خلال السنوات الماضية بشكل غير مسبوق جعل المتابعين لها يصفونها بأنها الأكبر منذ الحروب العالمية الكبرى. شلالات اللاجئين تدفقت بشكل موجات بشرية، وتمددت لتشمل أجزاء كثيرة من العالم، خاصة أوروبا التي أصبحت بفضل موقعها في متناول يد اللاجئين والفارين، الذين يُطلق عليهم، في كثير من الأحيان، «مهاجرون غير شرعيين».
فرض كل ذلك مزيداً من الاهتمام بهذه القضية، خاصة أن آثارها السياسية والأمنية والاقتصادية تجاوزت نطاق دول الجنوب المبتلاة بالصراعات والحروب والاضطراب السياسي، لتصل لحدود «العالم الأول» ولتدخله في تحديات كثيرة من بينها الهاجس الأمني، المتعلق باستحالة فلترة الواصلين الذين تقدر أعدادهم بمئات الآلاف. تزامن ذلك، أو تسبب، في تنامي النزعة اليمينية الرافضة للأجانب والمبنية على كراهية مسبقة لهم.
الدول الأوروبية عاشت تحدياً صعباً، فلم يكن بالإمكان إعلان رفض قبول اللاجئين، لأن القوانين والتشريعات الأوروبية والدولية التي تربط بين ذلك وحقوق الإنسان كانت حاسمة بهذا الشأن. لكن وفي الوقت ذاته، كان الكثيرون يجادلون بأن استقبال هذه الأعداد التي تقدر بالملايين وفتح الأبواب لهم بلا تحفظ، ستكون له تبعات وتعقيدات قد تهدد الوجود الأوروبي.
ظل الاتحاد الأوروبي يناقش ما سماه «تقاسم الأعباء» عبر اجتماعات استمرت لأكثر من عقد من الزمان. اجتماعات كانت تنادي بضرورة التعاون بين الدول الأطراف بشأن رعاية واستقبال اللاجئين، وألا تترك دولة أو مجموعة صغيرة من الدول لتواجه مصيرها منفردة، في حين ترفض البقية المساعدة. هذه المناقشات لم تؤد إلى نتيجة ملموسة، بقدر ما أكدت حقيقة أن الدول المتحدة، وحين يطرح هذا الموضوع بالذات، فإنها لا تفكر إلا بمصلحتها الوطنية الصغيرة.
كانت دول المشرق الأقرب برياً إلى تركيا، أو دول الجنوب الأقرب للشواطئ التي تأتي منها قوارب اللاجئين، هي المستقبِل الأول. بحسب القوانين الأوروبية فإن من الواجب على المستقبل الأول أن يتكفل بتأمين ورعاية الواصلين إلى أراضيه، لكن رأي دول الاستقبال كان مفاده أن تسيير الأمور بهذه الطريقة ليس عادلاً، لأنه سيحمِل عبء المسؤولية عن الدول الأغنى التي هي أبعد جغرافياً عن الالتقاء المباشر بموجات اللاجئين. لجأت بعض دول الاستقبال الأوليّ هذه إلى حيلة ذكية، وهي أن تتحول من دولة استقرار للاجئين إلى دولة معبر، عبر تسهيل خروج هذه الأعداد الغفيرة من اللاجئين باتجاه الدول الأقدر اقتصادياً. نجم عن هذا أن قامت بعض الدول كفرنسا بتفعيل نظام المراقبة وتفتيش الأوراق على الحدود، وهو ما يتناقض مع مبدأ حرية الحركة داخل دول الاتحاد الأوروبي.
تفكيك الاتحاد الأوروبي وتعزيز قوة اليمين الذي يتبنى مشروعاً تدميرياً، ليس فقط بما يعلن عنه من موقف تجاه المهاجرين، ولكن أيضاً بما يتبناه من أفكار متطرفة، كل ذلك إضافة إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتنامي نزعات الاستقلال والانفصال، كان بحسب كثيرين نتاجاً مباشراً لأزمة اللاجئين. كان أحد الحلول المقدمة هو أن يبقى أولئك اللاجئون في أراضيهم أو قريباً من أرضهم، في أي من دول الجوار، وأن يتم تعزيز قدرة هذا الوطن الجديد عبر دعمه بالكثير من المعونات المالية والتقنية، من أجل أن يصبح مستقراً بعيد المدى لهؤلاء اللاجئين، خاصة أن أغلب الأزمات المعاصرة مرشحة لأن تستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تصل أطرافها لحلول مرضية، هذا بخلاف حقيقة أن نهاية الأزمة لا تعني بالضرورة العودة الفورية للاجئين والنازحين.
في 19 سبتمبر 2016، وتحت تأثير كل هذه المعطيات، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة مجموعة من الالتزامات من أجل تعزيز حماية اللاجئين والمهاجرين. هذه التعهدات أطلق عليها اسم «إعلان نيويورك للجوء والهجرة»، لم يشهد هذا الإعلان أي خلافات بين الدول الأعضاء تجاهه. في الواقع فإنه كان مكتوباً بلغة فضفاضة وطيبة، تجعل من الصعب التحفظ على أي نقطة فيه، حيث كان يركز على ضرورة إيجاد تنظيم عالمي للجوء والهجرة، وعلى التعهد بتقوية وتعزيز الآليات لحماية الأشخاص المعنيين. كان بشكل عام إعلاناً للتضامن مع الأشخاص الذين أجبروا على ترك ديارهم، إعلاناً نص على ضرورة الحفاظ بشكل كامل على حقوق الإنسان للاجئ والمهاجر.
من النقاط المهمة في «إعلان نيويورك» أنه اعترف بحق اللاجئين في الدعم والحماية، لكنه في الوقت ذاته، أشار إلى ضرورة دعم الدول المستقبِلة لهم باعتبار أن ذلك مسؤولية دولية. بهذه النقطة لم تعد المسؤولية محصورة فقط في دول الاستقبال وإنما أصبحت مسؤولية تشاركية للأسرة الدولية جمعاء.
كيف يمكن أن يتم تنظيم مسألة اللجوء والهجرة العالمية، وهي المسألة التي تحوي الكثير من التعقيد؟ لإجابة هذا السؤال دخلت الدول في مناقشات ومرافعات طويلة انتهت إلى ضرورة أن يتم قبل نهاية العام الحالي 2018 التوصل إلى ما يمكن اعتباره ميثاقاً أو تعهداً أممياً بشأن اللاجئين والمهاجرين. تطورت هذه الفكرة لتنتج مشاورات متوازية لميثاق خاص باللاجئين، تقوده المفوضية السامية للاجئين، وميثاق آخر خاص بالمهاجرين تقوده على الجانب الآخر المنظمة الدولية للهجرة.
كان تحديد التعريفات الخاصة بكل من «المهاجر» و»اللاجئ» مهماً، من الناحية النظرية فإن القانون الإنساني يجبرك على تقديم الحماية للاجئين الذين لا يستطيعون العودة لبلدانهم الأصلية، لكن الأمر يختلف بالنسبة لطريقة التعامل مع المهاجر المدفوع فقط بالرغبة في تحسين أوضاعه الاقتصادية والبحث عن فرص عمل أفضل. من هنا نستطيع أن نتفهم سر التركيز الإعلامي على وصف اللاجئين القادمين لأوروبا بالمهاجرين.
هناك في الواقع كثير من المشكلات التي تجعل من الصعب انتظار حلول سحرية تتمخض عن هذه التعهدات المنتظرة. أولى هذه المشكلات هي الطبيعة الفنية لهذه المناقشات، التي تتعمد أن تنأى بنفسها عن المسارات السياسية، وهي رغبة يمكن تفهم منطقها الذي يهدف لخلق أكبر قدر من التوافق والبعد عن الحساسيات، إلا أن هذا المنطق ينتج عنه في المقابل تجاهل للأسباب الحقيقية التي أدت لهذه الموجات من الهجرة واللجوء، ما يجعل الأمر يبدو وكأننا نتجاهل المرض الأصلي لننغمس في بعض أعراضه الجانبية، ككيفية توفير حياة كريمة أو شبه كريمة لمن ترك بيته وذكرياته. هذه المناقشات تتميز كذلك بأنها غير ملزمة وأنها تهدف لإنتاج توصيات طوعية يمكن للدول أن ترفضها أو تعترض على تطبيقها، إذا ما ظنت أنها تعارض بشكل من الأشكال مصلحتها الوطنية. هذه النقطة تجعل التساؤل عن الجدوى في ظل الرفض المسبق، لأن ينتج عن كل ذلك، أي تشريع جديد أو إلزام مطروحاً.
أما تحديد المسؤوليات وتقاسم الأعباء بشكل حقيقي، فيبدو أنه ما يزال هدفاً صعباً، حيث يمكن ملاحظة أن الاتحاد الأوروبي، ككتلة، لم يعد موحداً، هذا ناهيك عن الاختلافات الأكبر بين دول العالم الثالث التي يقع على عاتقها، رغم ضعفها الاقتصادي العبء الأكبر، أما الولايات المتحدة فتعزز موقفها الجديد من مسائل الهجرة واللجوء بجدار مادي على الحدود الجنوبية وآخر سياسي يهدف لمزيد من الانغلاق والانكفاء.

 

——-

اضف تعليق

كلمة الاستاذ علي محمود حسنين في ندوة حركة تحرير السودان مكتب لندن

البوم الصور