رئيس التحرير

القوائم ضوء للقراءة

الإثنين 16-04-2018 12:10

كتب

تابعت بشيء من الاهتمام، القائمة الطويلة للجائزة العالمية للأدب المترجم إلى الإنكليزية، التي أعلنت منذ أيام قليلة، وضمت روايات وكتبا شعرية مترجمة إلى الإنكليزية، من لغات عديدة، مثل الفرنسية، والإيطالية، والسويدية، والبرتغالية وحتى من العربية، التي ظهر منها عملان، أحدهما رواية والآخر كتاب شعري.

وقد انتبهت إلى اسم الروائي الإيطالي المشهور أنطونيو تابوكي، الذي رحل منذ ثلاثة أعوام تقريبا بعد أن أثرى مخيلتنا بعدة كتب جميلة وعظيمة، ألف معظمها عن جو البرتغال حيث كان يعمل في التدريس هناك. روايات مثل «بيريرا يدعي»، إحدى أعظم الروايات الحديثة. وأظنها ساهمت بشكل أو بآخر في شهرته، وكانت تتحدث عن الديكتاتورية، وقبضتها في زمن ما، ومصير الثوار الذين لا أسلحة لديهم غير الكلمة، إضافة إلى الفكرة الأساسية للرواية، وهي فكرة جيدة وجديدة، فكرة أن يكتب الصحافي الثقافي رثاء عظيما لمبدع كبير، أثرى الحياة الثقافية، وهو ما يزال حيا، وينشره مباشرة في أي لحظة يموت فيها ذلك المبدع، بدلا من الانتظار حتى موته، ومحاولة تجهيز نعي يليق به في وقت ضيق لا يسمح بذلك.
وقد دل وجود اسم تابوكي في تلك القائمة، إلى أن التنافس على الجائزة ليس قاصرا على المبدعين الأحياء فقط، وإنما يمكن أن تنافس فيها أيضا أعمال لكتاب رحلوا منذ زمن قليل أو بعيد، بشرط أن تكون ترجمتها إلى الإنكليزية، قد تمت مؤخرا، وأن تكون الترجمة الوحيدة للعمل، لم تسبقها ترجمة أخرى.. ورواية تابوكي التي تنافس الآن، بدت لي غريبة لم أسمع عنها وسط أعماله من قبل.
حقيقة الجائزة هذه، وبالرجوع إلى تفاصيلها، نجد أنها ليست ذات قيمة مادية كبرى، وتمنح فقط للفائز النهائي في مجال الرواية والشعر، وتقسم القيمة المادية بين الفائز، ومترجمه إلى الإنكليزية، أي أنها لا تقترب من المان بوكر الإنكليزية التي يكرم فيها كتاب القائمة القصيرة كلهم، والمان بوكر الدولية التي تحمل أيضا سمات أمها المان بوكر البريطانية، وهي كما معروف جائزة خاصة بالأدب المترجم فقط، لكن كما يبدو، هناك قيمة معنوية كبرى لهذه الجائزة، فقد اتضح لي ذلك حين ألقيت نظرة على الأعمال الواردة في القائمة القصيرة، وهي تباع على موقع أمازون الكبير لتجارة الكتب.
كانت في الحقيقة ثمة حركة شراء واسعة شملت تلك الأعمال المرشحة، وبدا أن القراء كانوا يتابعون تلك الجائزة، وينتظرون ظهور قائمتها الطويلة، حتى يقرأوا، وصراحة ونسبة لازدياد الأعمال الكتابية المترجمة للإنكليزية في السنوات الأخيرة، ونشوء شركات خاصة تتولى ترجمة أعمال كثيرة غير مؤهلة أصلا لتقرأ حتى بلغتها التي كتبت بها، بات من الصعب على القارئ بالإنكليزية، وهو في العادة قارئ متمرس ودؤوب كما نعرف، أن يختار ماذا يقرأ ولمن؟ إن أراد أن ينوع قليلا ويقرأ أدبا مترجما للغته، وبديهي أن الأعمال الأدبية المكتوبة بالإنكليزية أصلا، لمبدعين كبار وصغار، متوفرة بشدة، وتتجدد القوائم شهريا من دور النشر، في بلاد اهتمت بصناعة النشر منذ زمن بعيد.
إذن سيعتمد القارئ الباحث عن تنويع، على تلك الجوائز التي رصدت للأدب المترجم، بغض النظر إن كان ما تم اختياره في تلك الجوائز، إبداعا حقيقيا أم لا؟ المهم أنها تضيق نطاق البحث، وتأتي بأعمال متنوعة، سيختار منها القارئ ما يرغب، وقد يكتفي بذلك، ولا يهتم بما أنجزته حركة الترجمة، في العام كله، وأذكر أن هناك رواية اسمها «النباتية» لكاتبة آسيوية، حصلت على جائزة مان بوكر الدولية منذ عام أو عامين، باتت مشهورة جدا في الغرب، واتسع تداولها كثيرا على موقع أمازون، إنها قصة جيدة عن امرأة نباتية، تعيش حياتها بلا زخم كبير، ولكن مؤثر. وأظن أنها ترجمت للعربية مؤخرا، كذلك توجد أعمال روائية أخرى، كانت على قوائم الجائزة العالمية للأدب المترجم،، لم تنشر إنكليزيا فقط، بل عثرت على حظ أكبر حين تم تلقفها في لغات أخرى غير الإنكليزية.
بالنسبة للآداب الأوروبية والآسيوية واللاتينية، التي تمنح عناوين تظهر في تلك القوائم، لا أظن ثمة مشكلة في إغواء القارئ لمتابعتها واقتنائها، والحديث عنها، فقد اعتبرت تلك الآداب راسخة منذ زمن بعيد، وأي عمل ينشر بأي لغة أوروبية مثل الفرنسية والإسبانية، لا بد أن يترجم للغات أخرى، ويعثر على متذوق، ومعروف أن كتابا مثل كارل رويس زافون، الذي يكتب بالإسبانية، وموراكامي الذي يكتب باليابانية، وآخرين يكتبون بالتشيكية والبرتغالية وغيرها مثل زفايج، وساراماغو، احتلوا أماكن واسعة في اللغة الإنكليزية، بشكل يوحي بأن أعمالهم مكتوبة أصلا بها.
نأتي إلى الأدب العربي، الأدب المحاط بالمآزق والاستخفاف حتى وهو في أوج تألقه وانضباطه، وانتمائه لأفكار وتجارب جديدة، الأدب العربي الذي في رأيي، يملك مبدعين غير عاديين في كل الأجيال ويمكن أن ينافس الآداب كلها، لكن ما زال الكثيرون في الغرب يتعاملون معه كأدب رضيع يحتاج إلى الكثير حتى يكبر، إنها في رأيي نظرة لن تتغير كثيرا مهما تقدمنا في الكتابة، ومهما صرخنا بتجاربنا وأدوات كتابتنا التي قد لا يكون مثلها متوفرا في الغرب، وتلك الإطلالات الخجولة التي نطل بها في مكتبات الغرب بلغات أجنبية، ما هي إلا مجهودات فردية من مترجمين ودور نشر ربما آمنت بالأدب العربي فقدمته، لكن لا تستطيع أن تكفله بطريقة أشمل.
وتأتي إطلالتنا داخل قوائم الجوائز المخصصة للأدب المترجم، إنها إطلالة خجولة أيضا، قد لا تؤدي لنيل جائزة، ولكن ربما تلفت نظرا هنا ونظرا هناك، ونحصل على اهتمام ما.
أخلص إلى أن قوائم الجوائز عموما سواء عندنا أو في الغرب، هي أيضا محفز لقراءة الأعمال الأدبية، تماما مثل الإعلانات الجيدة، ومواقع تبادل الآراء التي يهتم بها القراء كثيرا.

التعليقات مغلقة.

كلمة الاستاذ علي محمود حسنين في ندوة حركة تحرير السودان مكتب لندن