رئيس التحرير

مزارعون من منازلهم

الإثنين 16-04-2018 12:04

كتب

(1)
في ذات خريف وقبل عدة سنوات وبطلب منه، اصطحبت الملحق الاقتصادي في السفارة الامريكية في زيارة لمشروع الجزيرة، فامضى معنا يوماً كاملاً متجولاً في شمال الجزيرة .

امران يمكن ان نذكرهما عن تلك الزيارة، الاول تركيزه على جنسية الآليات التي وجدناها في حالة عمل من كراكات وتراكتورات والذي منه، ولسوء حظه لم نجد فيها صناعة أمريكية، اذ كانت كلها بريطانية ويابانية وكورية، اما الامر الثاني عندما وقفنا عند (نمرتنا) والنمرة هي وحدة بها تسعون فداناً تشرب من (ابو عشرين) واحد وبها تسعة مزارعين ويزيد في حالة تقسيم بعض الحواشات بالوراثة او البيع، ولم يكن هناك مزارع موجوداً في النمرة، فسألني عن اصحاب هذه الحواشات متى يوجدون فيها وباي شكل يكون وجودهم، فبدأت له بنفسي وقلت له انني ازور الحواشة واقفاً، وحتى المحاصيل التي يكون فيها كل العمل الي كالقمح اشارك فيها العمال، وهناك في النمرة من المزارعين من لم ير الحواشة منذ سنوات، وبررت ذلك بأن العائد من الحواشة لا يفي بمتطلبات الاسرة من تعليم وصحة واكل وشرب، وهذة حقيقة، فسألني ماذا يعمل هؤلاء المزارعون؟ فقلت له ان الجيل الاول كان يوجد في الحواشة كل الوقت، اما الجيل الحالي فبدأت بنفسي والي جواري مباشرة كانت الحواشة مسجلة باسم الراحل عمي، ولكن اولاده ما شاء عليهم يعملون في مهن متعددة فيهم الجامعي وما فوق الجامعي، ثم طفت في بقية النمرة، فكان فيها الرجل المسؤول من ميزانية السودان يومها (خالنا الحسين التوم الكباشي)،خريج اقتصاد الخرطوم في ستينات القرن الماضي ثم لواء في الجمارك ومهندس ري ومفتش زراعي وعدد وافر من المغتربين، وفي النمرة المجاورة اي التي يفصل بيننا وبينها شارع كانت حواشة الدكتور كرار التهامي أمين جهاز المغتربين، وفي بقية النمرة اطباء ومهندسون ومدرسون.
(2)
المزارعون الذين بدأ بهم المشروع (1925 ــ 1934) معظمهم ان لم نقل كلهم ذهبوا الى بارئهم، ومن بقى منهم قد جلس، فكل الحواشات اليوم مسجلة باسماء الجيل الثاني والثالث من الوراث، وان كانت الحواشة كافية لاعاشة الجيل الاول فهي لم تعد كافية للجيل الثاني والثالث لاختلاف المتطلبات الحيايتة، فحياة الاستقرار الناجمة عن المشروع دفعت عجلة التمدن بالاضافة لعوامل اخرى. فالمهم في الأمر ان الجيلين الثاني والثالث ظلا بعيدين عن الحواشة وعهدا بأمرها للشركاء من العمال، واكتفيا بما يأتيهما من قسمة المحصول، وبعضهم يتصدق به لبقية اهله واسرته الممتدة. وفي تقديرنا انه قد آن الاوان أن يلتفت هؤلاء المزارعون بالمراسلة الى لقضية الحواشات.. اكرر قضية الحواشات وليس مهماً رجوعهم للحواشات نفسها، ويبدأوا بالسؤال هل في عالم اليوم من يملك اربعين فداناً مروياً ولا يقتات منها؟ ان غياب هذا الكادر البشري صاحب الحق والمؤهل عن عملية الإصلاح والتغيير المنشودين قد ترك فراغاً في تمثيل المزارعين الذي اصبح يقوم به من يفتقر للرؤية الكلية واصحاب المصالح والسياسيون و… و….و… لقد حرموا انفسهم واهلهم والمشروع من مورد بشري ثمين، واذا عادوا ان شاء الله لن يكتفوا بأن يكونوا صوت المزارع، بل سيكونون صوت المزارع والدولة والمجتمع، لأنهم قوميون وسيقودون عملية الإصلاح بدون اي صراع وتضارب مصالح.
(3)
الأمر الذي يدعو للتفاؤل ان طلائع ذلك الجيل بدأت تعود لقضية المشروع، بعد أن اكملوا ايامهم في الوظيفة الميري والاغتراب والذي منه، اذ ظهر لنا الآن اصحاب الحواشات من المهندسين الزراعيين والمحاسبين والمراجعين والضباط النظاميين والسفراء والوزراء، والذين كانوا يعملون في المنظمات الدولية والاقليمية، لا بل منظمة التجارة العالمية، ولا شك ان روابط المنتجين الحديثة التكوين يمكن ان تستوعب كل طاقاتهم، وان ضاقت بهم واحتكرها اصحاب المصلحة الخاصة بمساعدة الآلة السياسية، فإن في الفضاء الإسفيري والاعلام الاجتماعي والمؤسسي والجمعيات الطوعية متسع لكي يسهموا في التغيير المرتقب.. إنهم اصحاب حق لا يحتاجون لمن يحرضهم على حقهم، واقسم لهم ان هذا المشروع اذا تم فيه التغيير المطلوب سوف يبكون على الزمن الذي ضاع على الحواشات وعليهم.

اضف تعليق

كلمة الاستاذ علي محمود حسنين في ندوة حركة تحرير السودان مكتب لندن