رئيس التحرير

لا توجد نظرية “ما تخرِّش ميّه” في التربية

الخميس 07-12-2017 11:40

كتب

لي نظرية واضحة البنود في تربية العيال، أعني عيالي بالتحديد، وجوهر هذه النظرية هو تجاهل كل النظريات المتعلقة بتربية وتنشئة الصغار، بمعنى أنني لا أثق في تربوي، أمريكياً كان أو سويدياً أو لبنانياً مرموقا، وله كتب متداولة على نطاق واسع في مجال التربية، لأنه بالتأكيد لا يعرف عن عيالي أكثر مما أعرف، والأهم من كل ذلك هو أنني لا أومن بأن هناك كتالوج للزواج الناجح أو التنشئة السليمة، فالعيال ينشأون متشبعين بالقيم السائدة في البيت، ولا أؤمن بالكلام الفارغ بأن من يتزوج كمن يشتري بطيخة: أنت وبختك، يمكن تطلع حمراء وحلوة، ويمكن تطلع بيضاء وماسخة فتقرر التخلص منها، فمن يختار شريكة الحياة بنظام شراء البطيخة “المقفولة”، أهبل وقِفْل، فحتى مشتري البطيخ “الواعي”، يشترط أن يقوم البائع بقطعها ليتأكد من انها حمراء وحلوة، أو لديه المهارة لمعرفة جودتها بالطرق عليها، واختيار الزوجة ليس “لوتري”: أنت وبختك، بل ينبغي ان يكون عملية دقيقة لأن الزوجة ستصبح أيضا، أما وتؤثر في تنشئة العيال.
في الغرب يعلمون صغارهم أن يتجنبوا الغرباء إلى درجة عدم الرد على تحاياهم، بينما نحن نربي عيالنا على احترام كل من يطرق أبوابنا حتى لو لم يكونوا يعرفونه واستقباله بعبارات الترحاب، وإذا أدركوا أنه ضيف على العائلة، يتولون تقديم الشاي والعصير له.
ولكنني وعلى المستوى الشخصي – وكانت أمي رحمها الله، تعتقد وأعتقد بدوري أنها ربتني على منظومة من الفضائل والقيم والمثل ومكارم الأخلاق – لم ألتزم بتوجيهاتها وأساليبها حرفيا فيما يتعلق بتربية عيالي.  أحياناً ومن باب البكش – خاصة عند تقديم طلب قد يتعرض للرفض – يناديني أحد عيالي: أبو الجعافر. ممكن كذا وكذا!  كانت أمي تسمع هذا الكلام وتنفر عروق رقبتها من الغضب، لأنها تعتبر مناداتي بأبي الجعافر (قلة أدب) وأحاول تهدئتها بتوجيه الهجوم إليها بأنها لم تمنحني (اسم دلع) فاضطررت إلى اختراع اسم دلع لنفسي هو أبو الجعافر، ولا غضاضة في أن يستخدمه عيالي.
ذات يوم كنا جميعاً نجلس في غرفة واحدة وكانت أمي وقتها تزورنا، وجلستُ على كرسي ممسكاً بمجلة أقلب صفحاتها، وفجأة تقدم أصغر عيالي وانتزع المجلة من يدي وقال ما معناه:  ليس من الذوق أن تجلس بيننا ومعنا أمك ثم تتصرف وكأننا لسنا هنا، وتندمج في القراءة، ابتسمت وقلت له “معك حق”، ولكن أمي تحولت إلى بركان:  كيف تسمح لهذا المعفوص أن ينتزع مجلة من يدك ثم يوجه النصائح إليك!  هي طبعاً لديها فهمها لأصول التعامل بين الأب والأبن والبنت، وتعتبر رفع التكليف بين الطرفين سوء أدب، بينما أحرص من جانبي على أن تتخذ علاقتي بعيالي طابع الصداقة، طالما أنني واثق من أنهم يحترمونني كثيراً ويحبونني كثيرا.
يحكي أكبر عيالي أنه عندما كان يدرس في جامعة في نيوزيلندا، طلب من أحد أصدقائه من الطلاب العرب بعد أن سمعه يضحك وهو يتصفح الإنترنت، أن يطلعه على الطرف التي جعلته يضحك، ووصلته عبر البريد الالكتروني، وصعق صاحبنا عندما علم أن من أرسل تلك الطرف هو “أنا” أبو صديقه وقال له:  أبوك يرسل لك نكاتاً وصوراً طريفة؟  سبحان الله!  الصورة النمطية للأب عند صديق ولدي هي لرجل حازم، كلامه كله نصائح وأوامر أو تبليغ لأنباء رسمية: أختك خطبوها.  وأمك ركبت طقم أسنان كلفنا الشيء الفلاني فاقتصد في الإنفاق.
وقد لا يتفق كثيرون مع طريقتي في تربية العيال، وقد يتبعون طريقة أخرى تجعل من عيالهم ذرية صالحة تتحلى بالأدب ومكارم الأخلاق. المهم هو أنه ليست هناك نظرية مكتوبة تصلح لكل العائلات، بل هناك “منظومة تربوية متعارف عليها” ينبغي عدم الحياد عنها لضمان تنشئة جيل معافى نفسياً وجسدياً.

اضف تعليق

كلمة الاستاذ علي محمود حسنين في ندوة حركة تحرير السودان مكتب لندن