رئيس التحرير

“القوة الذكية”… سلاح الصين لغزو العالم

السبت 11-11-2017 13:21

كتب

اختتم المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني، يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول الماضي أعماله، عبر حدث عدّ استثنائياً تمثل في إدراج مبادرة الرئيس الصيني شي جين بينغ “الحزام والطريق” لمشروعات التنمية في ميثاقه، ما استتبع تفسيرات عدة كان أهمها تلك التي رأت في الخطوة تكريساً لرغبة الصين في الاضطلاع بدور أكبر على الساحة الدولية، خصوصاً أن المبادرة الطموحة تتضمن تمويل وبناء شبكات مواصلات وتجارة عالمية في أكثر من 60 دولة،تربط الصين براً وبحراً بجنوب شرق آسيا وباكستان ووسط آسيا والشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا.
تتبع مسار توجهات السياسة العامة للصين في مختلف المجالات، على مدى العقود الماضية، خصوصاً الثلاثة الأخيرة، يجعل من تبني مبادرة “الحزام والطريق” يبدو كأنه خطوة إضافية من خطط الصين في التركيز على مصادر القوة غير العسكرية كسبيل لتحقيق نفوذ أوسع لها اقتصادي أولاً وسياسي ثانياً. وإن كانت بعض نتائج هذه الاستراتيجية قد بدأت تظهر منذ سنوات، بفعل التحركات الصينية على الساحة الدولية، فإن التقديرات تشير إلى أن مفاعيل الاستراتيجية ستظهر بشكل أكبر خصوصاً خلال العقود الثلاثة المقبلة، الأمر الذي يتوقع أن يستتبع تحولات عدة خصوصاً إذا ما تمكنت الصين من تنفيذ خططها المعدة وتجاوزت التحديات التي تواجهها.

القوة الناعمة والذكية
تعمل الصين، بهدوء وتخطيط، على تطبيق مفهوم القوة الناعمة الذي نظّر له أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد جوزيف ناي بوصفه وسيلة للتأثير وتشكيل تفضيلات الآخرين من دون استخدام القوة الصلبة، لكن الصين تبدو حريصة على مواءمة هذا المفهوم مع حجم طموحاتها وأهدافها، وباستخدام خليط من الأدوات المتنوعة التي تمتلكها، لتكون الاستراتيجية الصينية المعتمدة منذ سنوات والتي تتمدد تباعاً وتعدّل بحسب ما تقتضيه المصلحة الصينية أقرب إلى استخدام “القوة الذكية”.

تعيد الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية ليز إيكونومي، في مقابلة أجريت معها في فبراير/شباط 2016، بداية اهتمام الصين بفكرة “القوة الناعمة” إلى أوائل فترة التسعينيات من القرن الماضي، لكن الصين، بحسب إيكونومي، “استغرقت حتى 2007 تقريباً للبدء في ربطها باستراتيجيتها، وبشكل أدق عندما ألقى الرئيس الصيني في ذلك الحين هو جين تاو خطاباً تحدث فيه عن “تجديد شباب الأمة الصينية لقدرة الصين على نشر القوة الناعمة”، وهو ما ترافق من وجهة نظر إيكونومي، مع بدء تركيز الصين على انتقالها من قوة صاعدة إقليمياً إلى قوة صاعدة عالمياً، لا تكتفي بقوة عسكرية أو اقتصادية بل قوتها الناعمة في مواجهة قوة أخرى عالمية في مقدمتها الولايات المتحدة. وقد بدأ هذا الأمر ينعكس على توجهات الصين، بما في ذلك مؤتمرات الحزب الشيوعي المتلاحقة، قبل أن يسير الرئيس الصيني الحالي، شي جين بينغ، على النهج نفسه.

أدوات النفوذ… من الاقتصاد إلى الرياضة

لا يمكن الحديث عن أدوات القوة الناعمة الصينية من دون التوقف عند الاقتصاد، بعد أن فرض نفسه كركيزة أساسية تؤمن قوة الصين، إذ تحولت إلى ثاني أقوى اقتصاد في العالم حتى باتت عبارة “صنع في الصين” تختزل حجم تغلغل الصين في الأسواق حول العالم. وتحافظ الصين على معدلات نمو آمنة فيما يشير تحليل اقتصادي أجرته شركة PWC المتخصصة في الاستشارات والمحاسبة، ونشر في 7 فبراير/شباط 2017، إلى أن الصين ستتمكن بحلول عام 2050 من إزاحة الولايات المتحدة من المرتبة الأولى لتحل مكانها كأكبر قوة اقتصادية.

نهج خاص بالمساعدات
ومكّنت القوة الاقتصادية الصين من تنفيذ استراتيجيتها في التوغل خارج الحدود على أكثر من صعيد، وعبر الاستثمار الأمثل لأدوات القوة الناعمة، بما في ذلك في مجال تقديم المساعدات. وتحولت الصين إلى رقم صعب في تقديم المساعدات للعديد من الدول، خصوصاً تلك التي ترى فيها الصين فرصاً يجب استثمارها من دون أن تتوقف كثيراً عند طبيعة هذه الأنظمة السياسية، وهو ما يتيح لها فرصاً لا تتوفر لقوى دولية أخرى تربط مشاريعها عادة بطبيعية الأنظمة السياسية ومدى توافر معايير الحوكمة.

وفي السياق، تظهر دراسة معدة في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2017، من قبل مركز “AIDDATA” للأبحاث، وشملت تحليل المساعدات المقدمة من الصين مع تطوير معادلة خاصة بالمركز لقياس نتائجها، أنه بين أعوام 2000 و2014 خصصت الحكومة الصينية أكثر من 350 مليار دولار أميركي من التمويل الرسمي لـ 140 دولة وإقليم حول العالم، في أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ، وأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، والشرق الأوسط، وأوروبا الوسطى والشرقية. كما تظهر الدراسة نفسها أن المخصصات المالية الرسمية السنوية تنافس الآن الولايات المتحدة، بل إنه في بعض البلدان أصبحت الصين أكبر مصدر بل ومصدر وحيد للتمويل الرسمي.

ومن بين أبرز الفروق بين المساعدات الصينية وتلك المقدمة من دول أخرى، والتي توصلت إليها دراسة “AIDDATA” أنه لا يمكن اعتبار سوى جزء صغير (21 في المائة) من الأموال التي تمنحها الصين لبلدان أخرى مساعدة تقليدية، في حين تتخذ بقية الأموال المقدمة صيغة القروض التجارية التي يتعين تسديدها لبكين مع فوائد.

كما تتوقف الدراسة عند تركيز الصين على تمويل المشاريع المرتبطة بقطاعات البنية التحتية على عكس المانحين الآخرين، وهو ما لا يمكن فصله عن مبادرة “الحزام والطريق” التي تتضمن تمويل وبناء شبكات مواصلات وتجارة عالمية في أكثر من 60 دولة، تربط الصين برا وبحرا بجنوب شرق آسيا وباكستان ووسط آسيا والشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا. وسبق أن تعهد الرئيس الصيني في قمة استضافها في مايو/أيار 2017، خصصت للترويج إلى المبادرة، بتقديم 124 مليار دولار لتمويل الخطة. كما أظهر تقرير حصري لوكالة رويترز في أغسطس/آب 2017، أن “إجمالي الاستحواذات الصينية في 68 دولة ترتبط رسمياً بمبادرة الحزام والطريق بلغت 33 مليار دولار حتى 16 أغسطس، لتتجاوز بذلك الرقم المسجل في 2016 البالغ 31 مليار دولار. مع الإشارة إلى أن  رئيس لجنة الدولة للتنمية والإصلاح، وهي الهيئة المسؤولة عن التخطيط الاقتصادي في البلاد، نينغ جي تشه،  كان قد توقع في شهر مايو/أيار 2017، أن يبلغ حجم الاستثمار الخارجي الصيني ما بين 120 و130 مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل 600 إلى 800 مليار دولار، في السنوات الخمس المقبلة. ولفت إلى أن الجزء الأساسي من هذه الاستثمارات سيتوجه إلى البلدان الواقعة على طول مباردة “الحزام والطريق”.

قوات حفظ السلام

في موازاة العمل على نشر نفوذها السياسي والاقتصادي والتجاري في العشرات من الدول، أدركت الصين قبل سنوات أهمية تعزيز حضورها في المؤسسات الدولية، بما في ذلك في الأمم المتحدة.
وبعدما تجاهلت لسنوات المشاركة في قوات حفظ السلام حتى كانت تشكل الدولة الوحيدة من بين الدول دائمة العضوية التي لا تمتلك قوات حفظ سلام تساهم في بعثات الأمم المتحدة، بدأت الصين تبدل من استراتيجيتها تدريجياً. وإن كان عام 1989 شكل تاريخ أولى مشاركتها عبر إرسال مراقبين عسكريين، فإن الصين سرعان ما تدرجت في مساهماتها إلى أن حققت التحول الأهم في 2007 عندما أرسلت عشرات الجنود للمساهمة في بعثة الأمم المتحدة في إقليم دارفور في السودان، حتى باتت مع مطلع العام 2017 تحتل المرتبة الثانية عشر لجهة الدول التي تساهم في إرسال قوات حفظ سلام، بنحو 250 جندياً، ولتكون بذلك في المرتبة الأولى بين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.

كما أن الصين أصبحت ثاني أكبر دولة تساهم في تمويل عمليات حفظ السلام بعد الولايات المتحدة بنسبة تتجاوز الـ10 في المائة. كما أنها، على عكس العديد من قوات حفظ السلام التي تتبع بعض الدول، والتي ارتبط وجودها بفضائح وانتهاكات، حافظت على سجلها نظيفاً.

وبحسب تقرير لوكالة الأنباء الصينية الرسمية “شينخوا”، منشور في 29 سبتمبر/أيلول 2017، على موقعها الصادر بالنسخة العربية، فإنه منذ مشاركتها في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، تم نشر قوات صينية 24 مرة بتعداد وصل لأكثر من 36 ألف فرد، فيما لا يزال إجمالي 2506 عناصر من قوات حفظ السلام الصينية يعملون حالياً ضمن عمليات حفظ السلام الدولية في ثمانية مواقع. كما أعلنت وزارة الدفاع الصينية، في سبتمبر 2017 أيضاً، عن تسجيل قوة لحفظ السلام لدى منظمة الأمم المتحدة، قوامها ثمانية آلاف عنصر لتكون على أهبة الاستعداد للمشاركة في عمليات حفظ السلام الدولية.

أذرع إعلامية
أدركت الصين مبكراً أهمية الإعلام ودوره في تعزيز نفوذها على الساحة الدولية، وهو ما دفعها إلى تحويل وكالة الأنباء الصينية شينخوا إلى ذراع إعلامي يتولى الترويج لأنشطتها حول العالم.  وتبث الوكالة أخبارها بـ11 لغة بينها العربية والفرنسة والألمانية إلى جانب الانكليزية واليابانية والإسبانية. كما استثمرت الصين في تلفزيون الصين الرسمي CCTV الذي يبث بأبرز اللغات حول العالم. في موازاة الأذرع الرسمية، لم تغفل الصين أهمية “حماية” صورتها في الخارج، تحديداً في الولايات المتحدة. ضمن هذا السياق تسللت شركة “وندا” المملوكة للملياردير الصيني وانغ جيان لين إلى هوليوود وعقدت صفقات عدة، ما أثار مخاوف سياسية خلال عامي 2015  و2016، ترجمت بطلب عضو الكونغرس عن تكساس، جوم كولبورس، من وزارة العدل فحص الملكية الصينية لشركات الترفيه والإعلام بعد تسجيل زيادة الاستثمارات الأجنبية، وذكر في رسالته أن الاستثمارات والاستحواذات الصينية نمت من ملياري دولار في عام 2010 إلى 20 مليار دولار في عام 2016. كما أطلق 17 مشرعاً، في سبتمبر 2016، نداء للتحقيق في انتهاكات “واندا” لقانون تسجيل الوكلاء الاجانب والطلب من الشركة الكشف علناً عن علاقتها بالحكومة الصينية.

750 مليار دولار للرياضة

لم يتوقف التمدد الصيني عند السياسة والاقتصاد والإعلام، إذ ضخت الصين خلال الأعوام الماضية مليارات الدولارات في عالم الرياضة، تحديداً كرة القدم، استجابة لخطة الرئيس الصيني الحالي منذ أن كان في منصب نائب الرئيس في 2011 عندما أعلن رغبته في أن تصبح الصين “قوة عظمى كروياً” قبل أن يضع بعد وصوله الرئاسة خطة مدتها عشر سنوات، تمتد من عام 2015 إلى عام 2025، لمضاعفة حجم الاقتصاد الرياضي الصيني إلى أكثر من 750 مليار دولار تحديداً في مجال كرة القدم، استناداً إلى الاستثمار الحكومي والخاص في كرة القدم.

وقد اتخذ هذا التوجه ثلاثة مسارات أساسية، الأول يتمثل في جذب لاعبين بارزين حول العالم إلى الأندية الصينية. وسجل عام 2016، على سبيل المثال، صفقات غير مسبوقة في تاريخ الأندية الصينية مع تعاقد فريق شنغهاي مع المهاجم الأرجنتيني كارولس تيفيز بعد منحه 38 مليون يورو راتباً سنوياً. كما انضم نجم تشلسي السابق البرازيلي أوسكار لنادي شنغهاي سايبغ مقابل 71 مليون يورو.

أما المسار الثاني فتمثل في إطلاق برنامج وطني للتطور الكروي يتألف من خمس نقاط، ومن بين أهدافه تأسيس 50 ألف مدرسة للعبة في غضون 10 سنوات، ومحاولة الفوز ببطولة كأس العالم عام 2034، في حين يعد المسار الثالث الأكثر إثارة للجدل والتساؤلات إذ يتضمن مساهمة أو شراء مجموعات صينية لأندية أوروبية، في حين لم توفر المخططات التوسعية الصينية حتى استقدام حكام بارزين لإدارة مباريات الفرق الصينية.

القوة العسكرية حاضرة أيضاً

في موازاة تنويع مصادر القوة غير العسكرية، تدرك الصين، التي تواجه تحديات عدة عسكرية وسياسية في إقليمها، أنه مهما تصاعد نفوذها الدولي وأدوات قوتها الناعمة/الذكية، فإنه لا غنى عن القوة العسكرية التي يجوز استخدامها متى ما استدعت التطورات ذلك. لهذا السبب أولت الصين طوال السنوات الماضية أهمية خاصة لتعزيز قدراتها العسكرية، فيما جاء المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني، ليقر بضرورة إحداث “تغيرات عميقة في مجال أمن الدولة، وأنه بالإضافة لمتطلبات العصر التي تقضي بإقامة دولة قوية وقوات مسلحة ذات قدرات قوية، علينا أن نسير في طريق تعزيز الجيش ذي الخصوصية الصينية”، بما في ذلك “تشكيل قوات مسلحة حديثة ذات قدرة جبارة، تضم القوات البرية والبحرية والجوية وقوات الصواريخ وقوات الدعم الاستراتيجي، بالإضافة إلى تشكيل هيئة قوية وفعالة للغاية لإدارة العمليات العسكرية المشتركة.
وأكد القرار ضرورة تحويل جيش التحرير الشعبي الصيني إلى قوات مسلحة ذات مستوى عالمي متقدم. وقد نجحت الصين في تحقيق قفزات عدة في هذا المجال، إذ تحتل، بحسب أحدث تصنيف نشره موقع Global Fire Power  للقوة العسكرية لدول العالم في عام 2017، المرتبة الثالثة بعد أميركا وروسيا على التوالي في حين تحتل الصين المرتبة الأولى عالمياً لجهة عديد قواتها المقدر بقرابة 750 ألف عنصر، بينهم 619 ألفاً قادرون على المشاركة في الأنشطة العسكرية. ويشكل نمو القوات البحرية الصينية بشكل متسارع إلى جانب تعزيز الصناعات الدفاعية وتطوير الأسلحة الفضائية الخطر الأكبر من وجهة النظر الأميركية التي تراقب منذ سنوات تطور القدرات العسكرية الصينية بقلق كبير.
وقد أعلنت مؤسسة علوم وتكنولوجيا الفضاء الجوي، في 13 أكتوبر 2017، تطوّير سلاح ليزر يستطيع إصابة أهداف عن بعد 200 متر، فيما تتوالى الاختبارات التي تجريها الصين لأسلحة مدمرة مضادة للأقمار الصناعية في الفضاء. في موازاة ذلك تعالت أخيراً الأصوات المحذرة للإدارة الأميركية من أن تراجع إنفاق الدفاع الأميركي خلال السنوات الأخيرة يقابله زيادة الصين ميزانيتها العسكرية بنسبة أكثر من 10 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية.

فرص وتحديات أمام التنين الأصفر

يتزامن مضي الصين في تنفيذ خططها متوسطة وبعيدة المدى لتعزيز نفوذها على مستوى العالم مع تحولات عدة على الصعيد الدولي، تحديداً مع حقبة دونالد ترامب في الولايات المتحدة، المتوقع أن تستمر على أقل تقدير حتى عام 2020، بما تحمله من تراجع من مكانة الولايات المتحدة على الصعيد الدولي نتيجة تحكم عقلية “أميركا أولاً” والانعزالية التي ترجمت انسحابات متتالية من اتفاقات متعددة الأطراف، على غرار الانسحاب الأميركي من اتفاقية المناخ في يونيو/حزيران 2017، والتمهيد للانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، فضلاً عن الانسحاب من “يونسكو” للمرة الثالثة، والتلويح بالانسحاب من اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا) بعد أن فرض إعادة التفاوض على بنودها.

يتيح تزايد مؤشرات الانعزال الأميركي، بالإضافة إلى الأزمات التي تعصف بالقارة العجوز خصوصاً بعد أزمة البريكست البريطاني وبروز النزعات الانفصالية داخل الدول الأوروبية تحديداً في إقليم كتالونيا الإٍسباني، إلى جانب التباينات الحادة داخل الاتحاد الأوروبي حول العديد من القضايا، فرصاً عدة للصين لتبرز في صدارة المشهد مستندة إلى ثقلها الاقتصادي ونفوذها المتمدد. وقد ظهر هذا الأمر بوضوح عقب انسحاب أميركا من اتفاقية المناخ، عندما أعلنت الصين التزامها التعاون مع الدول الأخرى لتطبيق الاتفاق، وهو ما نُظر إليه بكثير من الارتياح من قبل الدول الأوروبية على وجه التحديد نظراً لأن الصين والولايات المتحدة تتصدران الدول المتسببة في انبعاثات الغازات الدفيئة حول العالم، في وقت كانت أصوات عدة تحذر في الولايات المتحدة من هدية استراتيجية قدمت على طبق من فضة للصين لملء الفراغ في قيادة العالم، في ظل تزايد الحديث عن مخططات للسيطرة دولياً خصوصاً بعد إطلاق مبادرة الحزام والطريق.
ولا تبدو القيادة الصينية غافلة عن تعاظم المخاوف حول العالم من مخططاتها وتمددها، ولذلك حاول الرئيس الصيني، خلال استضافته قمة الترويج للمبادرة، إيصال رسائل تطمينية عندما قال في كلمته يومها إن المشروع “ليس مجرد وسيلة لتعزيز نفوذ الصين على المسرح الدولي”، قبل أن يضيف “في سعينا إلى تنفيذ مشروع الحزام والطريق، لن تطأ أقدامنا السبيل القديم، سبيل الصراعات بين الأعداء، بل سنخلق نموذجاً جديداً للتعاون والمنافع المشتركة. علينا أن نبني هيكلاً مفتوحاً للتعاون وأن نساند وننمي اقتصاداً عالمياً مفتوحاً.

كذلك تستفيد الصين، بشكل أساسي، من اعتمادها دبلوماسية “عدم الانحياز” في الصراعات القائمة خارج محيطها الإقليمي، وهو ما يجنبها تعريض مصالحها الاقتصادية للخطر، مهما تقلبت الأوضاع السياسية في المناطق التي تستثمر فيها.

وقد طرح مركز بيو للأبحاث سؤالاً مفاده “أرجو أن تخبرني ما إذا كان لديك رأي إيجابي جداً أو مؤيد إلى حد ما أو غير إيجابي إلى حد ما أو غير إيجابي للغاية بالنسبة للصين”، لتظهر نتائج الاستطلاع، التي جرى تحديثها في أغسطس/آب في عام 2017، بحسب ما يفيد الموقع الإلكتروني للمركز، أنه ينظر إلى الصين بشكل إيجابي في نيجيريا، روسيا، أستراليا، السنغال، لبنان، البيرو، تونس، تنزانيا، لتبدأ النظرة الإيجابية بالانخفاض تدريجياً، لتصل إلى أدنى مستوى لها في فيتنام واليابان والهند على التوالي. مع العلم أن اليابان والهند امتنعتا عن حضور قمة الترويج لمبادرة الحزام والطريق، وهو ما يشير إلى أن سياسة تجنب لفت النظر التي تعتمدها الصين منذ سنوات على الصعيد السياسي لن تكون كافية في ظل المنحى التصاعدي لنفوذها واستمرار مشاكلها في محيطها الإقليمي.

في موازاة ذلك، يبدو النفوذ الصيني حول العالم رهينة الحفاظ على التفوق الاقتصادي، وهو ما يفرض على الصين تحديات عدة في سبيل الحفاظ على نمو اقتصادها، الذي سجل انخفاضاً خلال السنوات الماضية إلى ما دون الـ7 في المائة في 2016، وسط توقعات بأن يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين إلى 6.6% في نهاية 2017. كما تواجه الصين تحديات عدة على صعيد الداخل، سواء ما يتعلق بالإصلاحات السياسية أو بالإصلاحات الاقتصادية والحدّ من الفقر.

 

العربي الجديد

اضف تعليق

كلمة الاستاذ علي محمود حسنين في ندوة حركة تحرير السودان مكتب لندن