رئيس التحرير

أيام في حياة مولانا..

السبت 21-10-2017 13:29

كتب

وقف مولانا أمام البيت الصغير حائراً.. صدر قرار للتو من الرئيس جعفر نميري بإقالة قاضي محكمة الاستئناف من جميع مناصبه.. بين غمضة عين وانتباهتها أصبح القاضي الوقور بلا عمل.. من أين له بإيجار المنزل الصغير؟ .. كيف سيسيِّر أمر الأسرة الصغيرة؟.. رغم كل ما تراءى له من مصاعب، إلا أن مولانا الطيب محمد الطيب لم يكن نادماً لأنه صدع بكلمة حق أمام سلطان جائر.

لكن الحياة فصول، بعد جدب والآخر شديد الاخضرار.. كان شريط الذكريات يمضي بسرعة في مخيلة القاضي.. حياة الأسرة بدأت في قرية صغيرة في ريفي مروي، حيث وُلد الطيب في بيت له تاريخ ضارب.. انتقلت الأسرة إلى عطبرة، وتلك الصافرة التي تُنظم الحياة في بلد يصنع فيها القطار حياة بسيطة ولكنها ممتعة.. شبَّ الطيب ليلتحق بوزارة التربية والتعليم بالخرطوم في قسم النشر التربوي.. هنا التقى بالأستاذ دقش والدكتورة بخيتة أمين.. لم يطب المقام للطيب فواصل تعليمه بجامعة القاهرة بالخرطوم .. حينما انتهى من الدراسة اختار القضاء.. في عمله، أصبح مدرسة مميزة في الحزم والعدل.

نهض الطيب في يومه الأول مع العطالة. قرر أن يفتح مكتب محاماة.. في شهور قليلة صنع اسماً في الخرطوم بحري.. بدأت السماء تمطر حظاً.. اشترى بيتاً في ضاحية كوبر.. ثم توسع في البيت المجاور ليشيد حديقة صغيرة مزدحمة بالأشجار تسمق فيها نخلات ويحرسها كلب ذو شكيمة.. ظل القاضي وفياً لهذا الجوار الشعبي ورفض أن يغادره حتى غادر الفانية ليلة أمس.

قبل نحو سبع سنوات هبطت الخرطوم من تلقاء نيويورك.. كانت المدينة مشغولة بحكايات أوكامبو وتربّصه بالقيادات الحكومية.. ذهبت مع صديقي رحاب الدين طه لرجل تكتسب شهادته قيمة.. ليس لأنه قاضٍ سابق.. بل لأن ظلم الإنقاذ كان قد حاق به.. كان مولانا يحكي أنه بات اتحادياً وفي ذهنه الأزهري وزروق ونورالدين.. بدا من منزله الذي لا يبعد غير خطوات من أسرة الرجل الذي صنع الانقلاب يحاول صناعة تغيير ديمقراطي.. تم اعتقال القاضي أثناء اجتماع موسع بمنزله.. رغم ذلك كانت شهادته في مناهضة أوكامبو تلتحف بالوطنية وتزدان بشهامة ورجولة السودانيين.

منذ ذلك التاريخ أصبحتُ ملازماً مجالس القاضي السابق.. في صباح الجمعة يمتلئ بيته بالأصهار والأصدقاء.. كوب من الماء البارد ثم قهوة مصنوعة بحب.. قبل منتصف النهار تبسط الموائد.. كان مولانا يحب لحم الضأن.. إن غاب الثريد يتحرج ويشعر أنه لم يكرم ضيوفه.. يمتد المجلس في مساء كل يوم أمام متجر صديقه أبي الفتح في الأملاك.. هنالك يظهر هرم ثالث.. اللواء محمد عبد الرحيم سعيد.. عشرة نصف قرن من الزمان.. ثم يتسع المجلس كثيراً.. الوزير المثقف السموأل خلف الله.. بعض من الصحفيين تتبين منهم الرزيقي بعمامته المميزة ورحاب الدين بتلك اللحية التي تشبه عصا الكتيابي حيث تنمو على (كيفها) .. أجيال أخر.. ثقافات متعددة.. تكتسب مداخلة مولانا بالصدق حيث لا يميل لاستخدام المساحيق.

مساء الأربعاء الماضي التقيتُ بوجه مولانا للمرة الأخيرة بمستشفى رويال كير.. لم يكن بتلك البسالة ولا الابتسامة الحاضرة.. شعرتُ للمرة الأولى أنه استسلم للموت.. لم أستطع التحديق في وجهه.. لذت ناحية أبنائه وبناته.. تلك قصة أخرى.. كانوا يبرون والدهم بشكل تلقائي.. كلما شعر مولانا ببعض الألم كان ابنه المأمون يضع القلم في مكتبه بمملكة البحرين ثم يطير إلى الخرطوم.. لا يغادرها إلا بعد أن يحصد ابتسامة الوالد.

الآن فقدت البلاد رمزاً له فلسفة في الحياة.. مولانا كان صادقاً بشكل مبدئي.. لا يعرف الكذب.. واضحاً لدرجة يختلف الناس في تقييمها.. عطوفاً.. ودوداً يلتف من حوله الصغار والكبار .. في ذات الوقت يتمتع بشخصية ذات حضور طاغٍ.. يحتل حيزاً كبيراً في عقول وقلوب الذين من حوله.

كانت هذه سطور في حكاية القاضي الطيب محمد الطيب.. اللهم اجعلها في ميزان حسناته واجعل البركة في عقبه.

التعليقات مغلقة.

كلمة الاستاذ علي محمود حسنين في ندوة حركة تحرير السودان مكتب لندن