رئيس التحرير

عشيقة صدام: أحببت فيه خطورته وفحولته! مخدع اللذة والمشاهد العمياء لكليوباترا والزعيم

الخميس 12-10-2017 07:33

كتب

هناك وفي قلب العاصمة العراقية بغداد، ألف شهرزاد وشهرزاد، طويت قصصهن وحكاياهن السرية في صناديق مصفدة بالشمع الأحمر، والأقفال، التي ألقيت مفاتيحها في لجة الغيب، بما أنه يحرم الاطلاع على غيبها، فهي لا تخص سوى المعنيين بأسرارها وأخطارها ولذائذها المحرمة، وهؤلاء عادة ما يكونون من علية القوم، الذين يعاشرون السلاح والنساء في طلقة واحدة، دون أن يرف لهم جفن، أو ترتعش روحـهم من رحـمة أو قـسوة.
عشيقات سريات، يختبئن تحت القبعات العسكرية والتيجان الذهبية ووراء ربطات العنق الحريرية وعباءات المشايخ الملكية، وقب الجلابة ورؤوس الطرابيش وشراشيب الكوفية، قد يسمح الظرف السياسي لبعضهن بإزاحة الستار عما خفي من علاقاتهم المحرمة مع الرؤساء والملوك، وقد يمضين إلى حتفهن دون أن ينبسن ببنت شفه عن لذائذهن أو مخاوفهن من هذا العشق الأخطر بعد عشق الغيبيين ومخلوقات النار، والكوائن الشبحية والهياكل العظمية في عالم الأرواح.
هناك أبعاد عاطفية ووجدانية يرق لها قلب اليباس، في هذا النوع من العلاقات، الذي تحيط به الأسرار وتحرسه حقول الألغام، وكؤوس الدم وسدنة الجحيم، ويفتقر إلى رؤية إعلامية شفافة وعميقة وحساسة لتسليط الضوء عليه، بعيدا عن النفس الوثائقي الجامد، أو الفضائحي المبتذل، أو التجاري البخس، أو الدعائي المقزز، بما يفقده حميميته ورهافة جنونه المتوارية بالعنف، المتنكرة بالاضطهاد والمشبوهة بالشهوة أو اللعنة!

قصر اللذة ودكة الإعدام

تنتشر على «اليوتيوب» قنوات أجنبية فضائحية، تختص بفتح ملفات سرية مشينة، تتناول علاقات فاحشة لزعماء غربيين، منهم الرئيس الأمريكي القمرجي «وارن هاردينغ»، لما نشر الإعلام رسائله المحملة بنفس إيروتيكي قذر، وعرضها بأسلوب تهكمي مهين، بينما تعاملت «فرانس 24» العربية بأسلوب أكثر اتزانا وتحفظا مع نزوات فرانسوا ميتران وخياناته وعشيقاته منذ داليدا، مرورا بآن وليس انتهاء بالصحافية الثملة، التي صرخت في إحدى الليالي وسط باريس: «أنا عشيقة رئيس الجمهورية المحرمة»، ليحرمها من مخدعه إلى الأبد… وعداك عن فضيحة مارلين مونرو وكندي ومونيكا وكلينتون، ومخيلة القصص التاريخي المتأمل والمتواتر، عن حياة هتلر العاطفية، والوجوه السرية الناعمة لستالين الصلد ونابليون المحارب، والقذافي وهولاكو ودراكولا وهارون الرشيد وشهريار وكيم جونغ أون وترامب، تظل الغواية الأجمل هي تلك التي لم تكتشف بعد في ملكوت صدام حسين الحوائي ومصاطب السماء في معبد كليوباترا!
من رأى مخدع اللذة السرية، الذي يقع في قلب العاصمة العراقية بغداد، يدرك أي عاشق هو صدام حسين، الذي دونت عشيقته اليونانية باريسولا ماريا لامبسوس مذكراتها معه في كتاب بعنوان: «أنا امرأة صدام»، تحدثت فيه عن الرجل الخطير، والمثير في آن، الذي أوقعها في شباكه بعينين براقتين ونظرة باردة، وهو يراقصها في صالون خياطه، ويضمها إلى صدره معلنا ملكيتها له، وهي التي بين الانعتاق والانسياق تنجرف إليه بكامل إرادتها مأخوذة بخشونته وطفولته ومرونته، بسلاحه ووشاحه، بحرفيته، بأمنه وحذره، معترفة بأنه كان وحده من يجيد ترويضها، قبل أن تصل بينهما العلاقة إلى منحدر أمني وعاطفي مثير للقلق، خاصة أن عدي اغتصب ابنتها، واكتفى أبوه بسجنه لليلة واحدة، تلقت على أثرها ضربا مبرحا وعقابا مريرا، لم تشك أبدا أن صدام كان مطلعا عليه.
لا تصدق ما صرحت به ماريا لوسائل الإعلام الأمريكية، حين وقعت في تناقض مرضي بين اعترافها بالخوف وعرفانها للعشق، لأن من يطلع على مذكراتها يدرك تماما جنوحها إلى المغامرة والغواية، واحترافها لفنون الإغراء واستدراج ذوي الشأن، وطموحها بالثراء والشهرة، وهو ما تندم عليه حين تصف لحظة بوح ابنتها لها بحادثة الاغتصاب، معتبرة أنها سبب في هذا الجرم، الذي جعل منهما ضحيتين لخطيئة واحدة.
بثت إذاعة الجيش الأمريكي نبأ شكل صدمة مذهلة لكبار الشخصيات في الجيش، بعد العثور على الملاذ الجنسي لصدام حسين في حي المنصور وسط بغداد، حسب وسائل الإعلام، حيث الصور الغوائية لنساء بملامح عربية، وصور شخصية لصدام مع باريسولا وهي نصف عارية، وعن مرايا معلقة وسرائر رحبة وأضواء شفيفة وستائر ساحرة، وطقوس مثيرة تفتن اللب وتأسر الوجد، تدلك على ذائقة صدام العاطفية بعيدا عن ساحات الوغى وحمحمة الصواريخ والمدافع، رغم أنه لم يضع سلاحه حتى في أكثر اللحظات حميمية، بل كان يحتفظ بأنواع مختلفة منه في أحد جوانب القصر… وهو ما يطرح السؤال الأكثر حساسية في ما يخص صورة الرئيس الشهيد في خاطر الشعب العربي، الذي تعلق به كنموذج بطولي منزه عن الصغائر والشهوات: ما هي المرآة الحقيقية لصدام: الحب، الحرب، المشنقة؟
هناك مشاهد سرية لم يطلع عليها المشاهد العربي بعد، فمشهد النصر بعد الحرب العراقية – الإيرانية ومشهد احتلال الكويت وسقوط بغداد وحفرة صدام، ثم محاكمته ثم مشنقته، كلها لن تروي ظمأك وفضولك وأنت تتلهف لرؤية المشاهد العمياء بعيدا عن عدسات التصوير، يكفي فقط أن تغمض عينيك لتتمكن من رؤية صدام في مخيلتك أنت، هناك على سرير الحب… وقتها تطفئ التلفزيون… لأن المخيلة أجمل بكثير من الذاكرة!

كليوباترا بين السحر واللعنة

صدام أقوى بكثير من يوليوس قيصر وأنطونيو، لأنه لم يتخل عن سلاحه لصالح عشقه السري، ولتتأكد عليك أن تعود إلى قناة منوعات ثقافية على «اليوتيوب»، لتشاهد الباحثة الجنائية بات براون، وهي تحدثك عن تورط يوليوس العظيم بحرب أهلية بين كليوباترا وشقيقها، أدت إلى تمكينها من الحكم واستغنائه عن عرش مصر لصالحها، وهو ما أكده الكاتب ماي تراو، والباحث كريستوفر سنايدر، وهما يتحدثان عن دم الآلهة، الذي آمن الرومان أنه يجري في عروق هذه المرأة الأسطورة، والذي لا يمكن للشكل وحده أن يشكل سطوة سحرية يمكنها من السيطرة على أعظم رجال العالم في ذاك الزمان، فعداك عن ثقافة كليوباترا، التي سحرت بها هذين المحاربين، وطقوس الغواية الفاخرة بين خديعة السجادة وأقراط اللؤلؤ، التي أذابتها في كأس النبيذ، يتجلى التأثير النفسي على الأنظمة الدماغية بمائدة باذخة هي محفز مثير، تزيد من جرعته الانفعالات النفسية بين الخوف والغموض والغرابة والاختلاف والجذور العميقة للسلوك الديني، يؤكده ما كتبه الشاعر الروماني هوراس عن البعد الروحاني لهذا التأثر، لتبدو فاتنة الشرق الشريرة عند الرومانيين الوحش القاتل، أي المصير الخارج عن المألوف، أو الغامض، وهو معنى ديني احتفظ بكليوباترا في الموروث التاريخي للغرب كنموذج مقدس وساحر وخارق في آن.
بشكل أو بآخر، الحرب والحب في هذا الشرق لعنة… لا تحتاج إلى أبالسة، ولا آلهة، كل ما هناك، مخدع للذة، وكاميرا عمياء، ومخيلة ماكرة… بعدها لنترك الباقي للتاريخ والمشاهد… وما خفي أعظم!

التعليقات مغلقة.

كلمة الاستاذ علي محمود حسنين في ندوة حركة تحرير السودان مكتب لندن