رئيس التحرير

أرى تحت الرماد وميض نار

الثلاثاء 12-09-2017 09:17

كتب

   لا أدري من الذي قاد عامة الشعب وحتى بعض الصفوة إلى القناعة بأن حل كل مشاكل السودان يكمن في رفع العقوبات الأمريكية المفروضة منذ عشرين عاماً.. هذه القيادة وهذه القناعة جعلت أكتوبر القادم والثاني عشر منه مثل تحري رؤية هلال عيد الفطر.. رفع العقوبات يا سادة يا كرام لن يكون له أثر إيجابي عاجل على الاقتصاد المتدهور بالرغم من أنها في الأساس عقوبات اقتصادية، بل قد يكون لها أثر سالب في تماسك واستقرار السودان كما سنورد في هذا المقال.. يجب على الجميع أن يدرك أن العقوبات الاقتصادية المفروضة قبل عشرين عاماً رُفعت فعلاً وعملاً منذ يناير 2017 ويدرك الجميع أيضاً أن يوم 12 أكتوبر سيتم فيه إما رفع العقوبات نهائياً (نفس العقوبات التي رُفعت في يناير دون أية إضافة).. أو إعادتها كما كانت قبل يناير 2017.. لذلك وقياساً على أن العقوبات مرفوعة قبل تسعة أشهر ولم يحدث تحسن في الاقتصاد.. بل زاد التدهور حتى بلغ سعر الدولار مقابل الجنيه اثنين وعشرين جنيهاً وكان في يناير سبعة عشر، أي بتدهور في تسعة أشهر حوالي 27% وارتفعت أسعار السلع بنسبة 40% ووصل عدد المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر 50%، وارتفعت نسبة البطالة إلى 25%.   بالرغم من أن المؤشرات تُرجح الرفع النهائي للعقوبات في أكتوبر إلا أنه فيما يبدو سيكون بتكلفة عالية تؤثر كثيراً على مستقبل السودان واستقراره السياسي والاجتماعي وذلك للأسباب الآتية:أولاً: لما رأت الأجهزة الأمريكية المتخصصة أن السودان أحرز تقدماً إيجابياً في المسارات الخمسة التي حددها قرار رفع العقوبات المؤقت الذي أصدره الرئيس أوباما في يناير 2017م، أضاف ترمب مسارات ثلاثة جديدة في صُلب قراره بمد فترة الإختبار من يوليو إلى أكتوبر وهي بسط الحريات العامة وحل مشاكل السودان حلاً كاملاً وتأكيد حرية الأديان وعدم المساس بها بأي شكل من الأشكال، مثل هدم الكنائس وعدم تجديد عقودات ملكيتها ووضع قيود في إنشاء كنائس جديدة، وأيضاً إلزام المدارس المسيحية والكنسية بعطلة الجمعة والسبت، الأمر الذي جعل هذه المدارس تعطل الدراسة ثلاثة أيام في الأسبوع بإضافة عطلة الأحد المعمول بها منذ أكثر من مائة عام.ثانياً: مدير الوكالة الأمريكية للمساعدات الدولية المستر جرين يقول بعد زيارة للسودان وإقليم دارفور خاصة: (يتعين على الحكومة السودانية قبل إمكان رفع العقوبات أن تلتزم بخمسة مطالب أمريكية من بينها تحسين سبل توصيل المساعدات الإنسانية وتعزيز التعاون مع أمريكا في محاربة التطرف ووضع نهاية للصراعات الداخلية)، وأضاف قائلاً في مقابلة مع رويترز وصحيفة واشنطن بوست: (من المؤكد أن تقدماً تحقق ولا سيما في الأسابيع الأخيرة والمسألة لا تتعلق بأن تبدو الأمور مثالية في موعد اتخاذ القرار، بل ما إذا كانت تغييرات طويلة الأمد قد تحققت.. ليس المقصود أن يتحقق ذلك لمرة واحدة وليس المقصود بها لحظة واحدة مجرد لقطة، بل أن تكون نتاج تغيير حقيقي)، (وكان الرئيس أوباما رفع العقوبات بصفة مؤقتة لمدة ستة أشهر في يناير وأوقف العمل بحظر تجاري وفك أرصدة مجمدة ورفع عقوبات مالية، غير أن أي تخفيف للعقوبات لن يرفع اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب التي تضم إيران وسوريا)، وأضاف جرين: (عندما يحين أكتوبر سنعرف جميعاً ما هو ممكن.. لذا لا أحد يتظاهر أو يلمّح بأن ثمة عصا سحرية وأن كل شيء سيتغير في 12 أكتوبر).ثالثاً: مجموعات الضغط الأمريكية نشطة الآن وتعمل على فرض مزيد من العقوبات على السودان وترى أن السودان لن يواصل الإلتزام بما حققه في المسارات الخمسة فور رفع العقوبات نهائياً.. منظمة أمريكية اسمها (كفاية) دعت في بيان تلقته (سودان تربيون).. أمريكا إلى فرض عقوبات بديلة (ذكية وحديثة) تتجنب السودانيين ولكنها تستهدف المسؤولين عن الفساد ومرتكبي الفظائع ومعرقلي عملية السلام، وتابعت (كفاية) الأمريكية: (ينبغي أن تشمل الضغوط الجديدة عقوبات محددة وقوية تستند إلى أفضل المعلومات المالية المتاحة لاستهداف المسؤولين الرئيسيين وشبكاتهم التي تقوض السلام وحقوق الإنسان إلى جانب تدابير مكافحة غسيل الأموال)، وقالت (كفاية): (يجب على الولايات المتحدة أن تستخدم ضغوطاً وحوافز أكثر فعالية لمحاولة تحقيق إصلاحات أكثر جوهرية في الدولة السودانية وهذا يتطلب اتفاق سلام شامل مع الجماعات المسلحة والإلتزام بحماية حقوق الإنسان بما في ذلك الأقليات الدينية وتقاسم السلطة على نحو أكثر شمولاً مع الجماعات السودانية الأخرى، ووقف هدم الكنائس وإلغاء المادة 126 من القانون الجنائي المتعلقة بالردة، وتعديل القوانين بما في ذلك قانون النظام العام وقانون الأحوال الشخصية والقانون الجنائي بحيث تتماشى مع الدستور والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.. وفيما يتعلق بالحوافز شددت (كفاية) على أهمية تقديم حوافز جديدة للحكومة السودانية مرتبطة بالخطوات الإصلاحية، واقترحت حذف السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ودعمه عبر تخفيف عبء الديون.. وحذر بيان (كفاية) من أن الحكومة السودانية درجت على إجراء تعديلات تكتيكية قصيرة الأجل في سياساتها استجابة للضغوط مع الإبقاء على أهدافها الإستراتيجية، لذلك يجب على الولايات المتحدة أن تستخدم ضغوطاً وحوافز أكثر فعالية لمحاولة تحقيق إصلاحات أكثر جوهرية في الدولة السودانية، والإصلاحات التي من شأنها حماية السودانيين بشكل أفضل وتضمن بشكل أكثر فعالية المصالح الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة.مما تقدم رصده ومن قراءة ما وراء السطور والمعلومات المتداولة فإن رفع العقوبات سيتم، وربما رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في نوفمبر القادم ولكن بتكلفة عالية قد تؤثر على استقرار السودان.كل ذلك سيؤدي إلى تطورات ومحاولات خطيرة على استقرار السودان وتماسكه، لذلك رفع العقوبات ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب سيكون بمثابة (كعب أخيل) الذي يؤتى منه السودان تحقيقاً لإستراتيجية القوى الخفية التي تسعى لتقسيمه إلى دويلات بعد فوضى عارمة
آخر لحظة

التعليقات مغلقة.

كلمة الاستاذ علي محمود حسنين في ندوة حركة تحرير السودان مكتب لندن