رئيس التحرير

الدوحة يحيطها سورٌ من الذهب

الإثنين 19-06-2017 09:21

كتب

كثيرة هي المدن التي نسكنها ونوقّع على دفاتر حضورنا الحياتي فيها ولكن قليلة هي تلك التي تسكننا. ومن أجمل المدن في محيطنا العربي والتي تحتلُّ أهمية قصوى بسبب الإحساس العميق الذي تتركه تجاه حيز وجود الفرد المتحول إلى حيّز الجماعة هي مدينة الدوحة.

هذه المدينة برعت في تحويل الإحساس بها كمكان إلى علاقة ألفة وحميمية تتوغل في اللاشعور لتكشف عنها النسبة إلى الثقافة بشكل عام فحتى قبل رؤيتها كانت تسري مجلة “الدوحة” من المحيط إلى الخليج وتعانق مكتبات المهتمين في الوطن العربي والمهاجر المختلفة منذ نهاية ستينيات القرن الماضي.

 تتيح الدوحة خاصية أنّه يسكن في عيون أهلها وزائريها الكُثر ما هو أروع من صورة شواطئها الرائعة التي تجمع بين سمات الشواطئ العريقة والحديثة. حتى مياه البحر التي تمتدّ كفاصل يسدّ عين الأفق لا يشعر الناظر معه إلا بتحنان أكثر من فواصل اليابسة. كما أنّ المدينة بطابعها المتسامح وتنوعها البشري الذي يجمع أشتات الشرق والغرب أكبر مشجّع على التقارب الوجداني الذي جعل أهلها يتمتعون بما يتمتع به أهل الشعوب والحضارات الساحلية القديمة على امتداد تاريخها الطويل، فخيالهم خصب، نتاجهم أدب وقصص وحكايات شعبية مزجت بين الحقيقة والخيال.

 إنّ العلاقة بمدينة الدوحة أكبر من العلاقة بالمكان وذلك لأنّها تنطوي على جوانب شتى قد تعمل على الاستقرار، كما أنّها ليست علاقة فيزيقية توفّر مساحة جغرافية للعيش على ظهرها فحسب وإنّما يندمج الإحساس بها كحيز مكاني مع الانفعالات الأخرى. أمّا العلاقة الأخرى التي تتلبس أناسها فهي في ازدواجية حرصهم على عمرانها وحداثتها مع المحافظة على أصالتها من التحوّلات. والزائر بعين المتفحص للمدينة يمكنه تلمس هذا الإدراك للمكان والإحساس بهاتين الضرورتين وتحدي إنجازهما معاً. فقد حافظت الدوحة على إطارها العتيق المتمثل في الدوحة القديمة جنباً إلى جنب مع التطور العمراني في بقية أنحاء المدينة. وهذا الملمح العمراني تمثل في فرادة المساجد والمنارات والمحلات التجارية والسياحية على الطرازين وبذات الجمال. أما تراث المدينة الحضاري والسياحي ذاخر بما تحتويه من تراث ثقافي ومعماري يعكس هوية قطر وملمحها المتمثّل في موقعها كملتقى حضارات، بالإضافة إلى أنّها تعكس ملمحاً اقتصادياً هو عبارة عن نمو التجارة ونشاطها.

 لم أرَ أهل مدينة يعلنون حبّهم لمدينتهم ليل نهار مثلما يفعل أهالي الدوحة، رغم أنّ هذا الحب والحفاظ عليه يكلّف الكثير. فهناك قلق آخر يصاحب المدن الذاخرة بالحركة والحيوية، يتعلق بضرورة الحماية المبكّرة من احتمال التلوث البيئي. فما أوردته الاهتمامات بالبيئة البحرية هو ما جاء بشأن ضرورة التكيف مع آثار التغيرات المناخية.

ولئن كانت بعض البحار والمحيطات في المنطقة العربية عرضة للتلوث بسبب طبيعتها وبيئتها شديدة الحساسية نسبة لارتفاع درجة حرارة المياه وتركيز الأملاح، ونقص العناصر المغذية نتيجة لعدم وجود أنهار تصب فيها، بالإضافة إلى قلة الأمطار في المنطقة. فهذا يضع شواطئ الدوحة أمام تحدٍ، خاصة بالنظر إلى البحار والمحيطات التي تأثرت بالعوامل المتعلقة بطبيعة خطر التلوث، بالإضافة إلى ازدياد التطور العمراني والأنشطة الاقتصادية. وقد لا تكفي نظرة واحدة إلى الدوحة ليُرى ما يمكن القيام به من خطط احترازية لمواجهة أي أخطار محتملة والسعي من خلال ذلك إلى المحافظة على قيمة المدينة وأهميتها الاستراتيجية للمنطقة.

 صعد نجم الدوحة وذلك بفضل الذاكرة الجماعية وخاصية التساكن والرغبة الدائمة في استعادة قيمتها التاريخية. وموقعها المميز كمعبر ثقافي واقتصادي يمثل حدثاً أشبه بعهود النهضة، غير أنّ ثراء المدينة الثقافي جعل من الصعب رفض حالات التأقلم الفوري لكل من يمر من خلالها.

 وللدوحة تجربة اجتماعية استغلت آلية الذاكرة الجماعية بواسطة سوسيولوجيا المكان باعتبار أنّ وجود الناس في مكان ما مرتبط بفضاءات معينة، هي التي تساهم في توضيح الأشكال الواقعية للوجود الاجتماعي للمكان. فناسها يتعايشون بهذه الذاكرة الحية التي تتحدى الزمان.

 والذاكرة التي تسكنها الدوحة تتكرّر فيها بتكرار التعلق بالأمكنة وعبيرها، حيث تختلط المدائن في ذاكرة الفرد مثلما اختلطت مدائن الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي حين وصف مدينة غرناطة وأشار إليها دون أن يسميها لأنّها تشكلت لوحة واحدة من مدن عديدة:

“مدينةٌ مسحورةْ

قامت على نهرٍ من الفضةِ والليمونْ

لا يولدُ الإنسانُ في أبوابها الألف ولا يموتْ

يحيطها سورٌ من الذهبْ

تحرسها من الرياحِ غابةُ الزيتونْ”.

اضف تعليق

كلمة الاستاذ علي محمود حسنين في ندوة حركة تحرير السودان مكتب لندن