رئيس التحرير

يا والدا أحبنا .. بقلم مي محجوب شريف

الجمعة 03-04-2020 22:01

كتب

 

(طفولتي كانت بها كثير من الذكريات والتجارب من اعتقالات ومداهمات وتفتيش ورقابه وإقامة جبربه وفصل تعسفي واصرار على التشريد والقبح ولكن اعلم تماما لو لاصمودكما معا (محجوبي واميرتي)
لكنت الان في قعر مذبلة التاريخ وان تكون حياتي الان دون هدف أو يقين بأن القادم أجمل.
اول تجربة لي في المعتقل كان عمري 6سنوات بتهمة اني ابنتكما.
كان اعتقال يحمل أطول ساعات التعذيب النفسي والتهديد والاستدراج والتحرش. تواصلت 48 ساعه وبعدها مررت باسواء تجربة صدمة نفسية عانيت منها سنه متواصله البكا والخوف من أن يقطع لسان والدي أو أن توضع والدتي بالسجن وان اكون في دار المايقوما.
هذه التجربه بقدرتكما تحولت لي يقين بأني بأمان واننا أقوى منهم بالحب والتماسك والرعاية الإلهية أولا ثم الشعبيه.
طيلة فترات اعتقالك كنت أبحث عنك وابحث عن أسئلة كثيره من انت وماهو الجرم الذي ارتكبته حتى تحرم منا ونحرم منك سنوات برد وصيف وحزن طوال. ولكن في هذه السنوات المبكرة من عمري كنت أجد الإجابات في تضامن الناس معنا وحبهم اللامحدود في اقتسام لقمة العيش والحضن اللطيف وابتسامة ودوده وبسالة اميرتي في الإصرار على العيش بكرامه وتوفيرها لنا الاطمئنان والفخر بك وبها وبمن حولنا.
كانت تساهر حتى الصباح في مكنتها للإنتاج من أجل الدخل ورعاية الشتول وصناعة الصابون وبيعه بالسوق وتربيتها للجداد لتبديل بيضه مع صاحب الدكان بمواد تموينية منه .
وتغني لنا قصائدك وتحكي لنا عنك ودائما توصف لنا ملامحك لكي لأننساها وتربط لنا كل تفاصيلنا اليوميه بأن عند وجودك سوف تفعل كذا أو كذا.
كنت أجد إجاباتي عند ملاقاة احدهم بمناسبة ما أو بمكان ما… من انتي ياصغيره اقول كما علمتني أمي أن أقول أنا مي محجوب شريف.
أفخر بجوابي أكثر حين يرد على بياسلااااام ابنة الشاعر المناضل. افرح كثير بأنه يعرف والدي كنت دائما اسأل امي (كل الناس ديل ببقوا لينا!؟ ) (ولابعرفوا ابوي من وين!؟)
في مره سألني أحدهم من انتي قلت له اسمي مي محجوب شريف الشاعر المناضل ظنا مني بأن (الشاعر المناضل هو أسم احد اجدادي). حتى انتبهت مريم مره وقالت لي لايمكن أن نقولها نحن فهذا مدح لوالدي.
ولكن في كل هذا البحث من قصص امي وجيراننا وكل من كان حولنا التقي في كل مره بطرفة وقصه وقصيده اتعرف بها على اني في عالم مختلف وفي مكان مختلف تضج فيه التجارب.
حتى يطلق سراحك وابدا اتعرف عليك وانت تلعب معي الحجله وانت تعلمني كيف اغسل ملابسي بحركة استعراضية جميله.
وتسرح لي شعري وتعد لنا الاكل الغريب التركيب والمكونات وتقول لنا (العندنا دا في ناس مالاقينه).
اتعرف عليك عند استقبالك لضيوفنا وكيف تخلق الطرف والمحبه والاريحيه.
اتعرف عليك ونحن نتجول الشوارع فلسا ممتع وعندما اتذمر بأني تعبت تذيدني حماسا بأن (البيحصل النقطه ديك بكون فايز.)
وان نحن حنمشي حته جميله. وإذا ذاد تذمري ترفعني على رقبتك ضاحكا أن نكون جسد رجل ضخم له وجهان ونحاول معا تقليد صوت غريب لذلك الرجل المكون بجسدينا ..
وسط كل هذه المتعه لايستطيع السجان أن يكون هادئ و انت مبسوط فيصر عليه قبحه ويعاود زيارته الغير مرغوب بها…
ولكن تعود دهشتي وانا في حضن امي أو عمتي أو جددتي كيف يكون كل هؤلاء المسلحون يقفون بكل خوف منك واحترام لك وينتظرونك حتى توضب شنطه المعتقل أو حتى ينتظرونك في حال كنت نائم.
عند خروجك معهم كنت تصر على أن تنظر إلينا نظرة واثقه مباشره مطمئنه اننا بخير.
ويعلوا هتافك بعدها بأعلى صوت عاش نضال الشعب السوداني.
وانا اسمع صوتك واطمئن نفسي بعودتك قريبا حتى يختفي هذا الصوت الصادح في سماء مواقفك ودعم اميرتنا بترديد الهتاف بكل جساره. بها رساله ثنائيه كاسره لجبروت سلطان لايستطيع أن يكون حاجزا بينكما….

بعدها انتظر ساعات وأيام وشهور وقد تمتد إلى سنوات.
حتى زاد قبحهم وقاموا بتحريش صاحب المنزل بطردنا من منزل الإيجار إلى الشارع وقد فعلها ذات نهار انا ومريم كنا لوحدنا وامي في العمل.
حضرت امي ووجدتنا نحن وكل ممتلكاتنا في الشارع برعايه من الجيران بكل حب.
رحلنا إلى منزل عمتي نوال شريف ووحبيبنا وزوجها عمر العالم وانتظرناك شهور حتى تم الإفراج عنك لتحضر وتجدنا في عناية الاهية وشعبيه وحب. وانا متلهفه لكي احكي لك عن تجربتي في المدرسه وعن صديقاتي ورسماتي.
بعدها انتقلنا إلى منزلنا وعرفت انه ملكنا لايحق لأحد بأن يقرر متى نطلع منه.
ولكن كعادتكما في تعاملكما معنا بشفافية اخبرتمانا انا ومريم عن كيف امتلكنا هذا المنزل.
بأنها جائزه عالميه لكل الكتاب المناضلين في العالم من منظمه القلم العالميه وان هذا العام تم اختيارك وان امي قررت شراء هذا المنزل.
المنزل كان به غرفة ومطبخ وحمام شبابيكه شوالات الخيش ساهمنا في تلوينها وعرش الغرفه سماء مزينه بالنجوم وكنت دائما تقول لنا (منو البيته معروش بالنجوم!؟) … ونضحك ونلعب وننبسط.

ومرت اللايام حتى صرت معلمي في المدرسه.
وبدأت معك تجربة جديده مختلفه وتعرفت على محجوب المعلم الذي كان يحمل طريقة تربويه مختلفه فيها طرق تدريس مختلفه وطرق عقاب ممتعه وكنا نستعد لحصتك بكل شغف وحب ومنافسه على الابتكار والتجديد.. كنت اتذكر تماما كنت تسمح لنا بان نضيف معك في طريقتك للتدريس ولأننا لانشعر بزمن الحصه فكانت دائما نهايه الجدول لأن زمنها يكون ممتد باصرار منا حتى تانبنا بأن (الترحيل وقف كتير.)
كان عقابك استوب اكشن.
في حال التصرف الخاطئ يقف التلميذ أو التلميذة مننا بوضعه دون حركه وبعد مسافه تأتي لتقول له اكشن ويكون هنالك مرح وحيويه ورساله واضحه للتفكير بالأخطاء دون تأنيب أو إحراج.
وكنا كذلك نعاقبك في حال وجدناك تاكل حلوى أو تشرب بيبسي وانت مصاب بالسكري فكنا نقول لك استوب وناخد منك الحلوى ونجري وبعدها نقول اكشن وينتهي بالضحك والعب..
نغني نرتب معا تعلمنا في المدرسه أن البنت والولد
لرفعة البلد
كلاهما غدا
كلاهما معا يذيدنا عدد
كلاهما معا لمجده مدد
عدد..
مدد ..
***
وتعلمنا
كَفَك
كَفَك تلقاني معاك في صَفَك
مادام الصدق حليفَك
وكتاب الحق في رفَك

كفِك.
تلقيني معاك في صفِك
مادام الصدق حليفِك وكتاب الحق في رفِك.

***

وتعلمنا
المجلة مظلة
والكتاب شباك
القراية مزاجك
والعلم رباك
الحروف بتلالي
في نحو رباك
مابنحب ازعاجك
والعلم رباك.

انتقلنا بعدها الي مدرسة الاحفاد الثانويه نفس المجموعه انتقلت من مدرسة الأحفاد اساس.
مدرسة مختلطه بنين وبنات
فيها أعلى درجات الشفافية والتربيه
والتعليم.
كنا نعمل جميعا سويا طلاب طالبات معلمين ومعلمات.
كانت بصمتك واااضحه جدا
من ابتكار طرق مختلفه اميزها الاسمبلي (مكان نجتمع فيه معلمين ومعلمات وإدارة المدرسه واولياءامور واذا كان هنالك ضيوف)
فكرته قائمه على المكاشفه والشفافية والنقد والنقد الذاتي واحترام رأي الآخر والتفاكر. والاستمتاع بمواهبنا من إلقاء شعري غنا نكات أو نقاش عن موضوع معين أو نستضيف فنان أو شاعر ووو.
.كنا نحتفل جميعا سويا نذاكر نحزن نفرح. انتقلت العلاقات من المدرسه إلى علاقات اسريه بيننا بنات واولاد.

امتحانا وانتقلنا إلى الجامعة وكل منا اختار طريقه ومجاله الذي اختاره.
ومازالت علاقتنا كمجموعة مستمره حتى هذه اللحظه وانت كنت جزاء من ذلك التركيب المنسجم والمتجانس.
.
بين تلك السنوات وفي الإجازات كنت تحرص على إشراكي بالمشاريع ابتداء من نفاج مركز عبد الكريم ميرغني للاطفال وشريط تبتبات أغنيات أمنيات للأولاد والبنات.والهكر وبص نفاج بين المدينه واطرافها وفصل الدراسه للمتسربين دراسيا. وفرقه نفاج. واخواني أبناءك الذين ظلمتهم سياسات الظلم في حقهم في التعليم وأواهم مشروع الهكر (لتعليمهم صنعه نجاره أو حداده أو مصنوعات جلديه) اعاده المعمل والمركون من الخير في قلوب الناس والأماكن ومنظمة اصدقاءالاطفال المصابين بالفشل الكلوي
.ولكن مايميز ذلك الإصرار انه بشكل ديمقراطي في حقي الكامل بالمشاركه أو غيرها لكن كنت أجد نفسي مستمتعة من إضافة العلاقات والخبرات والمشاوير ومن مشاركتك لي الهم العام. عندها كنت قد كبرت بقدر أن اميز مابين الخير والشر
والجبن والشجاعه والقبح والجمال وان أعي تماما معنى أن علاقات الروح في كثير من الأحيان تغلب على علاقات الدم وان كل من يشاركك الهم العام والقضيه والمبداء والالتزام وكل من يدعمك دون قيد أو شرط وكل من لم يخن ضميره أو ضمير الشعب السوداني فهو من أفراد عائلتي.

انتقلت الى الجامعة…
كنت قد اخترت أن أكون طالبة بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية وقتها انت فرحت لذلك الخيار أكثر مني لأنك تعلم اني احب الفنون جدا وان هذا هو مجالي.
كنت تثق في خياراتي جدا تعدل دون تسلط نتجادل بحب نتشارك المعلومه اسعد جدا عند زيارتك لي في الكليه ونقعد سويا جمب ست شاي ومعي مجموعة من أصدقائ وصديقاتي. ونضحك ونتبادل القصص وانت تستمع إلينا. حتى تستاذن منا بالمغادرة لالتزامك ببرنامج ما.
وكان ذلك وسط دهشه منهم بشكل علاقتنا وقدرتنا على الونسه دون كلل أو ملل ويختموا دهشتهم بأن ابوك ظريف والله.
كنت تحرص عن رجوعي للمنزل بأن اها اليوم كيف وتستمع لسردي لتفاصيل يومي وخلافي المستمر مع الحرس الجامعي وتعب المواصلات والمحايله عليها بالمشي ومتابعه النقاط الابعد.
وفي وسط كل تلك السنوات هنالك مشاركات غنائيه شعريه معك أو بمفردي.
ولكن في هذه المرحله بداءت تتملكني رهبه المسؤوليه وضخامة التجربة وعمق شخصيتك.

أصبت انت ياحبيبي بداء التليف الرئوي الذي صار يتسلل بيننا كل يوم وأنت تواجهه بشجاعة مختلفة ومدهشة
وهذه كانت تجربه مختلفة معك فيها خوف من المرض وخجل من خوفي عليك أمام مواجهتك له وانت تعلم بأنه مرض فتاك لارحمة له.
وانت تقاتل تحت الأكسجين ممنوع حتى من الشمس ومخالطه مجموعات من الناس ونحن في نزاع مابين مايقوله الأطباء ومابين رغباتك في التواصل حتى في مثل هذه الظروف أنتجت اجمل القصائد وماسكتنا بانبل المشاريع لفقراء المرضى ومرافقيهم… ومشروع للأطفال المصابين بسوءالتغذيه والمصابين من سكان الفتح بالعشي الليلي ومشروع للنساء المصابات بالناسور البولي ومشروع التشجيع الإيجابي لهلال مريخ وكل تلك المشاريع وانت تصارع الآلام وصعوبه التنفس لم تنزوي من من تحب بالكنت أكثر نضالا ورحمة علينا.
احتفلت معنا بنجاحاتنا وخياراتنا في ارتباطاتنا واحتفائك بحفيدك حميد كان له طعم مختلف اكثر من طعم الامومه كنت استمتع جدا وانت تساهر معي حتى موعد نوم حميد وتقراء لي بصعوبه في التنفس قصائد لتسهل على تجربه السهر وتحاول أن تترجم لي حركات حميد وبكائه لتقلل لي رتابه تكرار الغيار والسهر.
كنت أخاف عليك عند مرض حميد من شده قلقك عليه.
وعند اتصالك بي وانا في العمل أن حميد وقف.
وفرحنا سويا بخطواته وحركاته.
حتى تملك المرض اللعين رئتيك وصار لابد من دخولك إلى المستشفى كنت أرتب لبرنامج مشترك بينك وحميد ظننا مني بأن هنالك مزيدا من الوقت.
ولكن ذادت حالتك سواء وانتقلت من مستشفى حاج الصافي إلى مستشفى تقي ولكن ماكان يدهشني في وسط هذه الآلام والضيق كنت تتواصل مع أشخاص لم ترهم من قبل مصابون أيضا بنفس المرض وانت تماسكهم وتبحث عن الدواء والاكسجين ومتابعتهم بشكل يومي و بحب.
ولكن للأسف لم يمهلنا الموت.. ولم أشعر به وانا منشغله بكتابه قصائدك الاخيره بمتابعة من الاميره.
حتي عاودتني تلك النظره وانت داخل العناية المكثفه النظره المباشره وانت توصيني بماافعله بعد رحيلك
توصيني على امي
ومريم وحميد وتشدد عل ان احرص على عدم التقصير مع الشعب السوداني.. (ماتقصروا مع الناس الناس ماقصروا معانا)
وتتطلب ان نبردك انا ومريم وان نحملك حتى مرقدك الأخير بأحمد شرفي..
اتذكر تماما تلك النظره المطمئنه وانت تعلم تماما انها الاخيره… وتعلم أيضا سوف تشيع بموكب يحفك لمرقدك الاخير
بناصع البياض شيعتك الملايين من الاحبه.
نم ياحبيبي بنفس هذه الثقه والطمئنينه.
فنحن بخير بشعبنا وبوجود من تحب معنا فنحن معهم قادرون على أن تحول هذا الحزن إلى طاقة إيجابية وان نكون ضد الحزن المابيتعاشر.

 

اضف تعليق

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي