رئيس التحرير

جنا النديهة

الإثنين 02-03-2020 13:58

كتب

(1)
عندما يتأخر الأزواج في الإنجاب، يذهبون إلى الفكي ويطلبون منه التوسل إلى الله باعتبار أن الفكي واصل كي يمن عليهم بطفل ومقابل ذلك ينذرون له وقية ذهب أو بالأحرى قيمتها تجمع فيما بعد من الأهل .غالباً ما يكون المولود معتل الصحة لأنه (ولادة كبر) حتى ولو كان في كامل الصحة يكون الخوف عليه كبيرا ولا يستحمل له أي مرض مهما كان خفيفاً، فإذا أصابه أي شيء حقيقة كان أم توهماً يذهب إلى الفكي لزوم الرقية، وأحيانا يضطر الوالدان للسكن جوار الفكي، وعند الحلاقة تترك ضفيرة في رأسه، فهذا المولود يسمى جنا النديهة لأنه أتى بعد نديهة الفكي، فيما بعد يقوم الأهل بجمع قيمة الوقية ثم تحلق الضفيرة (القنبور) وبعد ذلك يخرج المولود من طور جنا النديهة ويصبح سوياً أو هكذا ينظر إليه.
(2)
تأسيساً على الرمية أعلاه، بالأمس وصفنا الحرية التي ننعم بها الآن في السودان كأفراد بأنها مثل جنا النديهة لأنها حرية محفوفة بكثير من المخاطر وتحتاج منا إلى جهد خرافي لحمايتها، فهي كالشمعة في مهب الريح، فنحن اليوم كأفراد حرين للطيش لكنها بعد التمعن نجدها حرية منقوصة لأن بلادنا ليست حرة فهي مخنوقة من بطنها مخنوقة عالميا وإقليميا، لا بل ومحليا فالقوى الخارجية التي تخنقها لها أجندة واضحة ومكشوفة ووجدت فرصتها في أصحاب المصالح الذاتية في الداخل فأحكمت قبضتها والزردة الياها . فالحرية التي ننعم بها الآن لا مستقبل لها إذا لم تنعكس على وطننا، فالوطن هو التربة التي تنمو فيها حرية الأفراد . القوى المتربصة بنا وأصحاب المصالح يريدون بلادا ضعيفة يقودونها من (أضناها) وأولى آيات الضعف أن يكون حاكم البلاد دكتاتورا منفردا بحكم البلاد ولا مكان لأي مشاركة من المواطنين, هذا الدكتاتور يدخل الحروبات, يبيع المواقف لمصلحة حكمه, يهدر الثروات, يشرق يغرب على كيفه. فحرية الشعب هي العاصم الوحيد من ذلك.
(3)
لا يد ولا سبيل ولا قدرة لنا للتدخل في الأجندات الخارجية، ولكن الذي بيدنا هو جبهتنا الداخلية، فإذا ما توحدت الجبهة الداخلية لن يجد الخارج إلينا سبيلا فإذا آمنا بأن حريتنا الفردية في حرية بلادنا يجب أن نضع حرية بلادنا هدفاً أولاً وحماية هذا الهدف تتطلب قطع دائرة الشر بإغلاق المنفذ الداخلي. توحيد الجبهة الداخلية يتم بكرب البطن والالتفاف حول مشروع نهضة قومي كي نفك الحزام عن بطن الوطن – أي نرتضي الخيارات الصعبة كما تقول لغة الدلع الاقتصادية.
(4)
لمزيد من التوضيح نقول علينا أن نعلم أننا نعيش في إقليم بينه وبين الديمقراطية بيداء دونها بيد، فهل سيسمح لنا هذا الإقليم بها ؟ المشكلة ليس في أن الإقليم يخاف على شعوبه من عدوى الديمقراطية وإن كان هذا وارداً على المدى البعيد، ولكن المشكلة أن الإقليم لا يريد لنا حكما قويا يجعل البلد رافعا لرأسه متأبيا على الطاعة, مستغلا لموارده. فالديمقراطية هي التي تجعل أنظمة الحكم قوية . وهنا يأتي دور الحكومة فيجب أن تكون قوية في (عضمها) شفافة مع شعبها تكافح الفساد بإقامة دولة القانون, توحد الصف وترفع رأسها فوق فوق فوق، وعلينا كشعب جمع قيمة الوقية ثم نحلق القنبور فتطلع حريتنا من طور جنا النديهة ونعيش في (وطن خير ديمقراطي).

اضف تعليق

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي