رئيس التحرير

تحليل: السودان يتعثر اقتصاديا في المرحلة الانتقالية في غياب دعم جديد من المانحين

الخميس 27-02-2020 09:06

كتب

بادر السودان على نحو مفاجئ إلى الانفتاح على إسرائيل، وأعلن عن دفع تعويضات بخصوص تفجير سفينة حربية أمريكية قبل 20 عاما، وقال إنه سيتعاون تعاونا كاملا مع المحكمة الجنائية الدولية في القضايا المتصلة بإقليم دارفور. وكان من المأمول ان تساعد كل هذه الإجراءات على إعادة بناء علاقات السودان مع الغرب، بعد قطيعة دولية استمرت لعقود، وعلى حصوله على دعم مالي هو في أمس الحاجة إليه لاقتصاده المترنح. لكن كل هذه الخطوات قد لا تكون كافية.
فالمانحون الدوليون يقبضون أيديهم، مطالبين بمزيد من الشفافية بشأن الإنفاق العام والعسكري، وبخطة إصلاح اقتصادي، وإلغاء دعم الوقود الذي تقدر تكلفته بنحو 3.5 مليار دولار سنويا. ويقول بعض السودانيين أن مبعث الخطر يكمن في احتمال انهيار الاقتصاد لغياب الدعم الكافي، وهو ما قد يتسبب بدوره في تأجيج صراع سياسي ربما يهدد آفاق عهد ديمقراطي جديد. وليس واضحا بعد متى يمكن أن يتوفر دعم حقيقي.

5 مليارات دولار لتفادي الانهيار

واجتمع مانحون محتملون من الغرب والخليج عدة مرات، لكنهم أرجأوا إلى يونيو/حزيران مؤتمر «أصدقاء السودان» الاقتصادي، الذي قد يشهد تعهدات بتخصيص مساعدات بعد أن كان من المقرر عقده في أبريل/نيسان.
وأشارت الولايات المتحدة إلى إمكانية رفع السودان من قائمتها للدول الراعية للإرهاب لكنها لم تحدد إطارا زمنيا لذلك.
استمرار إدراج السودان على القائمة يعقّد جهود التفاوض على اتفاق يحل أزمة دَين السودان الخارجي الضخم بكل المقاييس، ويسمح بحصوله على التمويل من مقرضين دوليين، ويعيد ربطه بالنظام المصرفي الدولي.
من المقرر أن تبقى حكومة خبراء، تشكلت بموجب اتفاق لتقاسم السلطة بين المدنيين والجيش، في السلطة حتى أواخر 2022. وتواجه هذه الحكومة أزمة اقتصادية تفاقمت منذ الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في أبريل/نيسان من العام الماضي بعد ان حكم السودان مدة ثلاثين سنة. وقال وزير الإعلام فيصل صالح أمس الأربعاء»لدينا أفكار اقتصادية لكيفية التغلب على ذلك. لكن كل هذه الفرضيات تعتمد على قدر ما من المساعدات الخارجية.. نحتاج مساعدات ضخمة وحقيقية».
وكان وزير المالية السوداني قد قال في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أن حكومة بلاده تحتاج إلى ما يصل إلى خمسة مليارات دولار لتفادي انهيار الاقتصاد. ومنذ ذلك الحين، يسعى المسؤولون لمواجهة أزمة نقص الوقود والخبز، المرتبطة بشُح الدولار وتهريب السلع المدعومة، على الرغم من تقديم دول الخليج مساعدات للسودان.
وتجاوز التضخم 60 في المئة – وهو أحد أعلى المعدلات في العالم – مما أصاب القدرة الشرائية للمواطنين بالشلل. وصار أكثر من تسعة ملايين شخص، من إجمالي عدد سكان آخذ في التنامي بلغ حاليا 43 مليون نسمة، في حاجة للمساعدات الإنسانية في حين زادت معدلات سوء التغذية للأطفال.
ويقول وزراء أنهم أحرزوا تقدما فيما يتعلق بعملية السلام الرامية إلى حل الصراعات الداخلية المحتدمة منذ أمد بعيد، لكن التحديات الاقتصادية أكبر من المتوقع وتهدد المرحلة الانتقالية الهادفة إلى بدء عهد ديمقراطي جديد.
ورغم أن الحكومة مازالت تحظى بالشعبية في الشارع، يقول دبلوماسيون ومحللون أنها مرتبكة ويخشون من نفاد صبر الناس.
وقال سليمان بالدو، كبير مستشاري السياسات في مجموعة «إناف بروجكت» للأبحاث التي مقرها واشنطن «لا أعتقد أنه يوجد وعي إستراتيجي بأن هذه اللحظة التاريخية فارقة للغاية بالنسبة للسودان…إما الانتقال إلى الحكم المدني والديمقراطي أو الانحدار إلى وضع الاقتصاد الفاشل والدولة الفاشلة». وتواجه الحكومة معارضة داخلية بسبب الإصلاحات الاقتصادية. وتراجع وزراء عن اتخاذ خطوات كبرى بشأن الدعم إلى حين عقد اجتماع اقتصادي في أواخر مارس/آذار مع «قوى الحرية والتغيير»، وهو تحالف حركات سياسية ساندت الانتفاضة وخاضت مفاوضات تقاسم السلطة.

الدعم ليس سبب الأزمة

وهذه مشكلة كبيرة بالنسبة للمانحين. فقد قال دبلوماسي غربي «إذا لم يفعلوا شيئا فيما يتعلق بدعم الوقود، فإنهم لن يحصلوا على أي أموال. هذا هو الوضع ببساطة». وأضاف أن إعلان نظام تسعير مزدوج في بعض محطات الوقود من منتصف فبراير/شباط الجاري لم يكن كافيا.
وتقول تيارات يسارية ذات نفوذ ضمن «قوى الحرية والتغيير» أنه لا توجد حاجة للدعم الخارجي. وتفضل هذه التيارات التركيز على استعادة الأموال المُهدَرة بفعل الفساد، ومحاولة استعادة الثروات المتراكمة لدى الأجهزة الأمنية السودانية من عهد البشير. وجرى اتخاذ خطوات لتحييد شبكات الإسلاميين القائمة منذ عهد البشير في الوزارات وأجهزة المخابرات، لكن القيادة العليا للجيش وقوات الدعم السريع تقود مجلس السيادة على مدى أول 21 شهرا من المرحلة الانتقالية وبالتالي توجد صعوبة في تحدي مصالحهم.
ومازال التحقيق جاريا في واقعة تفريق احتجاج بالقوة الأسبوع الماضي، وأيضا فض اعتصام في يونيو/حزيران قالت جماعات مدنية إنه أسفر عن مقتل ما يزيد على 100 شخص على يد قوات الرد السريع – وهي اتهامات سعت تلك القوات للتصدي لها.
وقال المحامي نبيل أديب (77 عاما)، وهو رئيس فريق الدفاع في هذه القضية، أن «النتائج، مهما كان ما سيجري التوصل إليه، سيكون لها أثر مدمر». لكن كبار قادة الجيش ستكون لهم الحصانة إلا إذا رفعتها عنهم المحكمة الدستورية أو لجنة تشريعية لم تتشكل بعد. وقال صادق فاروق، وهو أحد الشخصيات القيادية في «قوى الحرية والتغيير» وينتمي للحزب الشيوعي السوداني، أن العسكريين يستغلون المرحلة الانتقالية لتوسيع نفوذهم.
وأضاف «الدعم ليس سببا في الأزمة المالية، بل يكمن السبب في (طريقة) تخصيص الموارد داخل السلطة الانتقالية…زيادة المعونات لن تحل مشاكل السودان».». وفيما يتعلق بميزانية العام الحالي، أعلن المسؤولون عن مساهمة من الجيش بملياري دولار، لكن دبلوماسيين رأوا في هذا العرض دليلا على قوة اقتصادية غير مقبولة.
ويعمل قائد قوات الدعم السريع في السودان محمد حمدان دقلو، الذي له مصالح في تجارة الذهب، على تحسين صورته مستغلا عملية السلام للانخراط مع جماعات متمردة خاض في وقت سابق معارك ضدها في إقليم دارفور بغرب البلاد. واعترف صالح بوجود «بعض المقاومة» لمحاولات الحد من نفقات الجيش ووضع الموارد الاقتصادية تحت سيطرة مدنية، لكنه قال أنه لا بديل عن تقاسم السلطة. وأضاف «هي شراكة صعبة للغاية لكن علينا العمل سويا».

رويترز

اضف تعليق

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي