رئيس التحرير

السودان وعام الإنتاج مرة أخرى!

الجمعة 21-02-2020 20:11

كتب

عندما اقترحت قبل بضعة أسابيع أن يكون هذا العام هو «عام الإنتاج» في السودان، ودعوت الحكومة لكي تتبنّى الفكرة بالتعاون مع المجتمع المدني؛ حتى تخلق «ملحمة وطنية» يشارك فيها الملايين وتُلهم الشبان والشابات وتوظّف طاقاتهم الخلاقة في مثل هذه الملحمة الوطنية، التي لا تقل أهمية عن ملحمة الحراك الثوري الذي قادوه بنجاح.
عندما قدمتُ الاقتراح كنت أتوقّع أن يثير بعض الزخم في دوائر الحكومة لو كانوا حقاً معنيين بإشراك المواطنين كافة في مشروع وطني نهضوي، وكانت أغلب ردود الأفعال التي جاءتني من منظمات المجتمع المدني ومن الأفراد، أما الحكومة فكان ردّ فعلها صمتاً مطبقاً. ولعلّ في هذه الواقعة ما يسلّط الضوء على حقيقة الأزمة الحقيقية التي تواجه السلطة الحالية، بُعدها عن التواصل مع جماهيرها ومحدودية خيالها المبدع!
لقد كان همي الأول أن تنطلق هذه الملحمة أولاً لتدعم الزراعة بالتركيز على إنجاح الموسم الزراعي المقبل الذي سيبدأ بعد أربعة أشهر، وهي فترة ضيقة حقاً؛ لكنها بمجهود كبير يمكن أن تمكّننا من أن نوفر كل مدخلات الإنتاج المطلوب لإنجاح الموسم الزراعي والشباب الذي فجّر هذه الثورة المجيدة سيكون أكثر سعادة وابتهاجاً بأن ينخرط في البناء وزيادة الانتاجية ومواجهة مهددات الانهيار الاقتصادي، ومتى ما التقت السلطة الحاكمة معه في ساحة البناء؛ فإنها ستسترد قيمة التواصل الحميم مع الجماهير وتعيد الملحمة الثورية معها، والحكومة اليوم أحوج ما تكون لمثل هذه الصلة الوشيجة.
والقطاع الزراعي هو الركيزة الراسخة، وهو حجر الزاوية في أي مشروع لإنعاش الاقتصاد السوداني، ويساهم بأكثر من 30 % من الناتج المحلي الإجمالي، ويشكّل بالنسبة لأغلبية أهل السودان مصدر دخلهم الأساسي، بل ويوفر كل غذائهم ودخلهم النقدي؛ مما يوفر لهذه الأغلبية السكانية ضماناً اجتماعياً واستقراراً معيشياً. وقد تدنّى عائد الزراعة مؤخراً نتيجة لنقص الاستثمار وعدم الالتزام بالحزم التقنية وعدم توفر المدخلات بالعدد المناسب في الوقت المناسب، وملحمة زيادة الإنتاج والإنتاجية مفروض أن تعالج هذه الأدواء وتخرج بالإنتاج من هذه الوهدة.
لقد تدنّت حصيلة صادراتنا من منتجاتنا الزراعية إلى ملياري دولار، وأدى ضعف الإنتاجية إلى أضعاف قدراتها التنافسية في الأسواق العالمية، وفي الوقت نفسه، ارتفعت وارداتنا إلى 9 مليارات وتشمل هذه الواردات سلعاً زراعية لم نكن قد حققنا فيها اكتفاءً ذاتياً فحسب، بل كنّا نصدّرها ونحصل على حصيلة صادرها.
وقد لاحظت الاجتماعات الحوارية التي عقدتها منظمة «شاتام هاوس» البريطانية أنه يمكن للصناعات الزراعية أن تضيف قيمة كبيرة إلى المخرجات الزراعية، على سبيل المثال إنتاج الملابس القطنية (من القطن السوداني، والجلود، واللحوم المعالجة، وغيرها من المنتجات الصناعية)، والصناعة المرتبطة بالزراعة هي المكون الأساسي لمشروع «عام الإنتاج»، ولا تهدف الفكرة إلى إكمال هذا العمل في عام واحد؛ فهو يمكن أن يصبح نقطة البداية لأعياد وطنية يكرّس لها لإنجاز المشروع النهضوي الوطني الذي نتحدّث عنه كثيراً ولا نفعل شيئاً في مجال تنفيذه، وقد شبعنا تنطيراً وتمنيات، وقد آن الأوان لأن نقرن القول بالعمل.
حقاً، إن المرء ليأسف كل الأسف عندما يرى كل مشروعات الإنقاذ الاقتصادي للسودان تركز على الحصول على دعم خارجي دون أن نسمع مشروعاً واحداً يتحدث عن الإنقاذ بجهد داخلي سوداني.. دعونا مرة واحدة نتمكن من القول إننا قد أنجزنا هذا ونفّذنا ذاك المشروع، ونتوقع من الخارج أن يكمل معنا المشوار بدعم محدود؛ فالذي يمدّ لك يد العون لا يفعل ذلك من أجل سواد عينيك، ولكنه واثق أنه –سواء عاجلاً أم آجلاً- سيردّ الثمن، وأحياناً تكون التكلفة مرتفعة جداً.

اضف تعليق

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي