رئيس التحرير

تأخرتم كثيراً (1)

الجمعة 21-02-2020 20:08

كمال الهِدي

كتب

. لا بارك الله فيمن أدخلوا الثوار في هذا الموقف الصعب وعرضوا الوطن للمخاطر بعد كل هذه التضحيات والدماء والأرواح البريئة التي أُزهقت.
. ما حدث بالأمس لم يفاجئني إطلاقاً، فقد ظهرت مؤشراته بجلاء تام منذ زمن ليس بالقصير.
. لكننا ظللنا تائهين بين متواطئين ومتقاعسين _ لا شك أنهم عرفوا منذ الوهلة الأولى النتيجة المتوقعة_ وبين ثوريين شدتهم عاطفتهم تجاه هذه الثورة وأرادوا لها النجاح بأي شكل.
. دفن بعضنا الرؤوس في الرمال من شدة رغبتهم في أن يعبر هذا البلد كسائر البلدان التي تجاوزت أزماتها.
. لكن فات علينا دائماً أننا أمام تركيبة سياسيين مختلفة عن الساسة في كل بلدان العالم.
. فالغلبة في هذا السودان دائماً للمصلحة الضيقة على حساب منفعة الوطن الذي يسع الجميع.
. وإلا فقولوا لي من منكم لا يذكر تلك اللقطة التي جمعت إبراهيم الشيخ بالبرهان أمام القيادة لتمنح المعتصمين نوعاً من الإطمئنان وإنطباعاً بأن (الفريق) رجل الثورة الذي سيقف معنا.
. واهم من يظن أن كل شيء قد حدث بالصدفة وقتها، أو أن الشيخ لم يكن يعرف البرهان قبلها.
. وواهم جداً من يظن أن الحزب الشيوعي يغلب مصلحة هذا الشعب على مصلحته الضيقة كتنظيم سياسي.
. فقد ظلوا يعلنون مواقف رافضة للتفاوض في وقت لم يغب فيه ممثلهم عن أي من الجلسات التي شهدتها مكاتب قيادة الجيش قبل وبعد الإعتداءات والقتل المتكرر.
. وواهم من يظن أن إبتسام السنهوري وساطع لم يعلما أن قبولهما ببعض بنود الوثيقة الدستورية سيدخل الثورة في عنق الزجاجة.
. وواهم من لا يؤمن بأن الكثيرين كانوا على علم مسبق بنية القتلة لفض الاعتصام.
. وواهم جداً من لم يقتنع بأن القوم قد سارعوا بعد الثلاثين من يونيو لإبرام إتفاق مع العسكر لكي تم (لملمة) كل شيء بعد أن عرف العسكر يومها أن الله حق وأن هؤلاء الثوار ماضون في إتجاه هدفهم النهائي رغم أي شيء.
. إذاً كلما إقتربنا من الخلاص كان هناك دائماً من يتقاعسون لشدنا للوراء.
. وبعد تشكيل حكومة الثورة اشتغلت الآلة الإعلامية من أجل تسويق بعض الأوهام ودفعنا دفعاً لعدم طرح الأسئلة الصعبة.
. ومن يومها لم نر قرارات ثورية جادة، أو تطبيقاً فعلياً لشعارات الثورة.
. حتى بعض القرارات الضعيفة التي أُتخذت لم تجد من يسعى بجدية لإنفاذها.
. ظلوا يحدثوننا عن التطهير ليقبضوا على أحد اللصوص والمفسدين اليوم ويفرجوا عنه غداً.
. قبلوا بتعيين رئيسة قضاء ما زال إرتباطها وثيقاً بنظام الأمس، فوقفت سداً منيعاً أمام إصلاح المنظومة العدلية.
.ووافقوا على وزير داخلية ومدير عام للشرطة سمحا بعودة المفسدين لممارسة أنشطتهم القديمة بكل الجرأة.
. وفي هذه الأثناء شغلوا الشباب الذين ضُربوا بالأمس بأداء مهام هي من صميم عمل الشرطة والأجهزة الأمنية.
. طوال الفترة الماضية أنتظرنا عملاً ملموساً من أهم وزراء في حكومة الثورة (المالية والتجارة والإعلام والرعاية الإجتماعية والزراعة والثروة الحيوانية)، فماذا كانت نتائج ذلك الإنتظار!
. انشغل وزير المالية بإستدعاء بعض الأصدقاء والمعارف من مسقط ولندن للعمل معه بمكتبه ولم يعر أزماتنا المستعصية أدنى إهتمام.
. أما وزير التجارة والصناعة فقد عُينت له إحدى موظفات القطب المالي الكبير أسامة داؤود كمديرة مكتب، في أكبر عملية تضارب مصالح حسب رأيي.
. ووقف الوزير مكتوف الأيدي أمام الممارسات الإستهلاكية التي أدخلها الكيزان لكي يشغلوا شعبنا بتوافه الأمور.
. فليس معقولاً أن تعاني غالبية قطاعات شعبنا ونحن ما زلنا نستورد سلعاً استهلاكية فارغة وكل (الكرور) الذي تنتجه بعض البلدان الأخرى.
. لم أتوقع إطلاقاً أن تسمح حكومة ثورة_ تعلم أن الدولار قد تخطى حاجز المائة_ جنيه بإستيراد بذات مختلفة الألوان وأناتيك و(هتش) فارغ يكلف عملات صعبة عزت كثيراً في بلدنا.
. وقد لا تصدق يا مواطن السودان المغلوب على أمرك أننا نستورد حتى المانجو.
. أي والله بلد النيلين وملايين الأفدنة من الأراضي الخصبة يستورد المانجو!
. بالأمس حدثني صديقي النعمان محمد عوض، المدير التنفيذي للمنظمة السودانية للتعليم (سيدسو)، أن استيراد السلع الكمالية زاد بصورة ملحوظة خلال الفترة الأخيرة.
. كما حدثني مستثمر أجنبي زار السودان مؤخراً وألتقى الوزير مدني بغرض التعرف على بيئة الإستثمار عندنا.. حدثني بأنه لم يجد عند الوزير معلومة مفيدة.
. المؤسف أن الرجل نقل لي إنطباعه بأنه لم يشعر إطلاقاً أنه أمام وزير مُلم بجوانب عمله أو قادر على التخاطب باللغة الإنجليزية.
. أراد المستثمر المذكور المعلومة الواضحة فلم يجدها.
. وطلب كتيبات حول الإستثمار ولم يزود بها.
. ولاب أن نسأل: كيف لحكومة ثورة تشكو من قلة الفئران أن تسمح بمثل هذا العبث لو كانت هناك جدية في مساعدة هذا الشعب المقهور!
. أين الصعوبة في أن تصدر حكومة دكتور حمدوك قرارات توقف إستيراد كل شيء بإستثناء الدواء ومدخلات الانتاج!
. ما الذي منعهم منذ اليوم الأول من توفير إعفاءات جمركية لإستيراد التراكتورات والشاحنات والمعدات الزراعية، لكي يحرث هؤلاء الثوار _ الأوفياء لقضية الوطن_ الأرض، بدلاً من أن يزرع بعض أراضينا الآخرون ويرسلوا خضرواتنا وفاكهتنا وسلعنا الإستراتيجية لبلدانهم، فيما يتضور مواطن السودان جوعاً!
. يستأثر الآخرون بثرواتنا، بينما يتغنى بعض مسئولينا بدون أدنى خجل بدعم ومساعدات الأصدقاء المفترضة.
. يُطعم من يزرعون أراضينا مواطنيهم بمزروعاتنا عالية الجودة وغير المخصبة كيميائياً، بينما يسمح وزراؤنا الأجلاء بإهدار عملاتنا الصعبة على قلتها في سلع إستهلاكية تافهة!
. فهل تمنعهم عن ذلك الدولة العميقة!!
. ما الذي قدمه المدني ود. البدوي حتى يومنا هذا لكي يظلا على رأس وزارتيهما الهامتين!!
. وللحديث بقية بإذن الله.

اضف تعليق

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي