رئيس التحرير

سلام السودان يراوح مكانه بين طموحات القادة المختلفين وتقاطعات القبيلة مع السياسة

الأحد 16-02-2020 06:41

كتب

تراوح مفاوضات السلام السودانية مكانها في محل انعقادها في مدينة جوبا عاصمة دولة جنوب السودان على الرغم من الملفات والوثائق والعهود التي أبرمت منذ التوقيع على إعلان جوبا سبتمبر/ايلول من العام الماضي، الذي قسمها إلى ثلاثة مسارات رئيسية في دارفور ومنطقتي (جبال النوبة) والنيل الأزرق وشرق السودان، ومسارات رديفه في شمال ووسط السودان. أبرم في الأخيرين وثائق سريعة مع تقدم ملحوظ في جهة دارفور التي قطع فيها التوافق شوطا في ملفات العدالة والمصالحة والأرض والحواكير والسلطة وتبقت ملفات الثروة والشؤون الإنسانية للنازحين واللاجئين والترتيبات الأمنية وسط توقعات من أمين عام الجبهة الثورية في حديث مع “القدس العربي” أن يتم توقيع السلام النهائي آخر الشهر المقبل.

وكانت الحركة الشعبية بقيادة مالك عقار وقعت مع السلطة الانتقالية اتفاقا إطاريا حول المنطقتين الشهر الماضي، والذي يعد التطور الأبرز الوحيد في هذه المفاوضات بينما تتعثر جهود التفاوض مع الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو التي توقفت عند محطة الخلاف حول علمانية الدولة وتقرير المصير في إعلان المبادئ وهو مرحلة أولية جدا في التفاوض.

لكن مع ذلك يجب الإقرار أن عملية السلام التي تجري الآن في جوبا كانت واحدة من نتائجها الأعظم على الإطلاق هي الاتفاق السريع على إيصال المساعدات الإنسانية إلى السكان في المناطق التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة. وسبق وتسببت في ذلك الزيارات المكوكية التي قام بها مدير برنامج الغذاء العالمي ديفيد بيزلي الذي تحرك بين الخرطوم وجبال النوبة والنيل الأزرق ولم يغادر المنطقة إلا بعد أن وصلت فرق المنظمات للمسح وإيصال المساعدات الأولية للسكان لأول مرة بشكل قانوني ومنظم بعد أن كان النظام السوداني البائد يرفض الموافقة على دخول المساعدات طوال سنوات الحرب العشر.

ومن معالم الطريق للسلام تقف زيارة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إلى مدينة كاودا معقل الحركة الشعبية في جبال النوبة كعلامة فارقة وهي المدينة التي وعد الرئيس المخلوع بزيارتها حربا إلى يوم سقوطه لتستقبل حمدوك وضيوفها من المبعوثين الدوليين والسفراء ووزراء الحكومة الانتقالية الذين هالهم مسالمة أهلها وتوقهم للسلام العادل والشامل رغم كل جراح الوطن الممتدة من وقع طائرات الانتنوف التي كانت تقصفهم لتمسكهم بأن يكونوا مختلفين وهم وقوفا تحت راية الكرامة والهوية والحق في المشاركة المتساوية مع الآخرين في السلطة.

لكن مع ذلك يظل انقسام القيادات السياسية لأبناء المنطقتين في معسكرين مختلفين للتفاوض مدعاة للقلق على مستقبل أهل هذه البلاد،  وعلى اتفاق وقف العدائيات والشؤون الإنسانية الذي وقعته الحركة الشعبية قيادة عقار التي وصل ممثلوها لمراقبة الاتفاق تحت رئاسة الوساطة الجنوبية ومشاركة الجيش السوداني إلى مدن الخرطوم التي اختيرت مقر رئاسة اللجان التي وصلت إلى الدمازين في النيل الأزرق وكادوقلي في جنوب كردفان، حيث بدأت البيانات في اليومين الماضيين تترى من طرفي الحركة الشعبية باستعدادات أحدهم لكسر عظم الآخر وفق ما جاء في بيان نائب رئيس الحركة  جوزيف توكا، فيما اتهم قيادات طرف الحركة الآخر عبد العزيز الحلو بأنه يحشد جنوده ويستجلب آخرين للهجوم عليهم في النيل الأزرق ما يعكس بجلاء أن عدم اتفاق الطرفين للعمل بسلام كل في ما يليه من مطالب وأرض سيؤخر كثيرا من استعادة السلام واستدامته.

وفي جهة الحركة الشعبية قيادة الحلو التي تستعصم بالعمانية مقابل شرط تحقيق المصير نجد أنها “محلك سر” لنحو 3 أشهر لم يفلح في زحزحتها أحد، وإنْ نجحت هي في جر الحزب الاتحادي الديمقراطي قيادة مولانا المرغني، الذي له معهم عهد قديم ويعيش عزلة سياسية حالية لوجوده في السلطة لحظة سقوط البشير. ومع ذلك مازالت المسافة بعيدة بين الحركة وتحالف الحرية والتغيير، الذي يزور جوبا هذه الأيام في مقصد العلمانية ومع وفد الحكومة الانتقالية الذي يطرح مفهوم الدولة غير المنحازة لعرق أو جهة أو ثقافة أو دين وهو ما ترفضه الحركة لتمسكها بلفظة العلمانية بقطعية دلالتها بدون النظر للموافقة على محتواها.

لكن في وقت ومحل النزاع نفسه نجد أن الوفد الآخر للحركة الشعبية بقيادة عقار يمضي بخطوات سريعة نحو إبرام اتفاق سلام نهائي في المنطقتين ليحقق مطالبه في الحكم الذاتي واسع الصلاحيات والحق في التشريع المنفصل والجيش الواحد وتقاسم السلطة والثروة بنسب محددة. وإذا حدث هذا الاتفاق مع الحكومة سيضع الوساطة في امتحان سؤاله كيف تتسنى لها رعاية تفاوض مع طرف غير موقع في قضية تم التوقيع على سلام حولها مع طرف آخر، لذا فإن الأسلم والأوفق أن تتضافر الجهود الإقليمية والدولية ودولة الوساطة لدحرجة الجميع بما في ذلك الحكومة الانتقالية نحو نقطة وسط ينطلق بعدها قطار السلام بسرعة أكبر بدون التفريط في المخاطبة الحقة لجذور الأزمة لضمان استدامة السلام وعيش السودانيين بكرامة بعيدا عن هيمنة الدين على السياسة ومن غير الوقوع في (حفرة) التمسك بالألفاظ وفق المبدأ التفاوضي ( win-win situation)   لأن الحرب لم تنتهِ تحت زخات رصاص انتصار طرف على الآخر وإنما عبر ثورة شعبية شارك فيها الجميع، حكومة انتقالية وجماعات مسلحة، وهي ادعى للاحترام مع الحفاظ على كرامة الجميع وبدون التفريط في ثوابتهم أيضا ليضع السلام السودان على سكة النهضة التي تأخرت كثيرا.

وبالنظر لمسار السلام في دارفور نجد أنه يتحرك بقوة دفع ممتازة حيث جرى التوافق على قضايا الأرض وملكيتها بين القبائل ومقاربة تحفظ لأصحاب الأرض حقهم فيها وإخراج المستوطنين الجدد منها وإعادة توطينهم في مناطق أخرى أو بقائهم فيها إنْ وافق صاحبها على بيعها لهم.

كما تم تجاوز نقطة تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية بالتوافق على مثولهم أمامها إذا كان ذلك في مقرها أو في الخرطوم أو عواصم دارفور التي شهدت جرائمهم، مع إقرار وسائل عدالة أخرى منها المحاكم الخاصة وبرامج الحقيقة والمصالحة والإنصاف وتخليد ذكرى الضحايا.

وبقيت مسائل طفيفة في ملفي تقاسم الثروة والسلطة وبرامج إعادة النازحين واللاجئين التي تنتظر حضور وفد منهم إلى جوبا للتوافق عليها بغية التوقيع على الاتفاق النهائي الذي يتوقع أن يكون آخر الشهر المقبل حسب حديث جبريل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة السودانية مع “القدس العربي” الذي عبر من خلاله عن قلقه من ضبابية مسألة توفير المال اللازم لإعادة الإعمار والنازحين واللاجئين إلى قراهم، واعتبرها أكبر مهدد لاستدامة وتنفيذ اتفاقات السلام المنتظرة.

وتظل قضية الترتيبات الأمنية وإعادة دمج الجيوش السودانية المتقاتلة في منظومة واحدة عقبة يكتنفها الكثير من الغموض لضخامة العدد ولوجود كثيرها في دول مجاورة، وهي مرحلة معقدة تحتاج الإشراف عليها من جهة دولية مثل الأمم المتحدة لتلعب هذا الدور بما لها من خبرات وأموال، وهو ما ظهر في الاستعداد والتمهيد السياسي عبر دعوة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك للمنظمة الدولية بإرسال بعثة فنية وسياسية للعب هذا الدور وأخرى مماثلة.

لكن مع ذلك هناك تعقيد آخر يظلل الصورة والمتمثل في وجود حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور خارج مشهد السلام من جوبا في السودان وفي دارفور تحديدا حيث يطرح الرجل مقاربة التفاوض من الداخل عبر مبادرة قال سيكشف عنها لاحقا. ويكمن القلق في أن الرجل يمثل ثقلا سياسيا في السودان وبين قبيلة الفور تحديدا، وهي الأكبر عددا في الإقليم. وهنا يتضح تعقيد التوقيع على شكل السلام لدارفور مع تنظيمات الجبهة الثورية بدون عبد الواحد نور سيضع الوساطة والحكومة الانتقالية في امتحان مشابه للامتحان الأول.

وهناك مسار سلام شرق السودان الذي اقتربت نهايته بالتوافق على جميع القضايا المطروحة فيبه من إزالة التهميش والفقر والصحة والمشاركة في السلطة وصناديق الإعمار لكن أيضا نجده يعاني من رفضه من قبل مكون كبير في الشرق يتمثل في قبيلة الهدندوة التي ترفض منبر جوبا ويدعمها في ذلك عدد من السياسيين والمكونات الأهلية وسط تخوفات من أن ينجز إبرام السلام بدونها في إشعال الحريق على ساحل السودان ومينائه الحيوي والوحيد.

كل هذه التعقيدات والتقاطعات تقودنا إلى ضرورة الإقرار شعبيا وسياسيا بأن مرحلة الاتفاقات السياسية تحت راية عملية السلام في جوبا يجب أن تكون محطة وعتبة أولى وليست نهائية. بمعنى أوضح يجب على السودانيين بعد إنجاز اتفاقاتهم في جوبا أن يعقد في الخرطوم مؤتمر شامل للسلام المستدام يشارك فيه الجميع على قدم المساواة من شارك في جوبا مع من لم يشارك في المنبر ويتم تجانس الاتفاقات للخروج بكتاب موحد للسلام يرضى به جميع القادة، على أن يمضوا به موحدين ليكون ورقة الأساس التي لا تعدل في المؤتمر الدستوري ولكن يتم البناء عليها في القضايا الرئيسية الأخرى التي لم تناقش من أجل كتابة العقد الاجتماعي والدستور الجديد الذي سيحكم السودان في دولة ما بعد ثورة الشهداء في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

 

 

القدس العربي

اضف تعليق

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي

البوم الصور