رئيس التحرير

شَنُّ إيران يوافق طبقة الأمريكان

الأحد 12-01-2020 08:24

كتب

“وافق شن طبقة”، مثل عربي قديم يضرب به لمتماثِلَيْن أو متشابِهَين يلتقيان ويتوافقان في الفعال أو الأقوال، أو يكمل كل منهما الآخر، وزعمي هو أن إيران الملالي وأمريكا دونالد ترامب يتشابهان ويتماثلان في النزق والطيش في الأفعال والأقوال.

إرهاب الدولة

وبكل المقاييس فإن قيام الولايات المتحدة باغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني بلطجة تندرج تحت مسمى “إرهاب الدولة”، لا يبررها ان سليماني مارس البلطجة والتقتيل في العديد من البلدان، لأن الدول التي عانت شعوبها من مكائد ومصائد سليماني لم تفوض ترامب ليثأر لها، ولكن الولايات المتحدة لا تطلب تفويضا من أحد وهي تفرض نفسها شرطيا دوليا يقتل الناس في كل القارات، بذريعة أنهم يعرضون أمنها للخطر.

لقد ظلت الولايات المتحدة على مر تاريخها الدولة الأكثر شراسة تجاه شعوب الدول الأخرى بذريعة الدفاع عن الأمن الوطني، ورغم أنها قاسم مشترك او منفرد في معظم الحروب التي شهدتها مختلف القارات خلال الثمانين عاما الأخيرة، إلا أنها لم تخض قط حربا ضد عدو خارجي على أرضها، ولكنها لم تعدم الذرائع لإبادة مئات الآلاف من البشر في تشيلي واليابان وكمبوديا ولاوس وفيتنام وأفغانستان والعراق، و…القائمة طويلة.
ثم صار ترامب رئيسا للولايات المتحدة، وصار التكهن بسياسته الداخلية والخارجية ضربا من الرجم بالغيب خبط عشواء، فالرجل مشغول بمجد شخصي مُتَوهَّم، وفي سبيل ذلك على استعداد لهدم المعبد الكوني على رؤوس الجميع، فهو من الصنف الذي قال عنه الشاعر إيليا أبو ماضي: ولكَمْ تشيطن كي يقول الناس عنه تشيطَنَا.

سياسات طائشة

وبالمقابل، فقد ابتلى الله إيران بعدد من آل”ترامبات” منذ ان اقتلعت ثورة شعبية نظام الطاغية محمد رضا بهلوي في عام 1979، فقد اتسمت سياسات إيران طوال العقود الأربعة الأخيرة بالنزق والطيش اللذين تجليا في محاولات أثبتت الوقائع خطلها لتشييع الأمة الإسلامية، وليس أبدا لنشر الإسلام او حتى التشيع بين غير المسلمين.

ومنذ انتصار الثورة الإيرانية وقادتها يبدون حذقا عجيبا في صنع واكتساب الأعداء في الساحتين الإقليمية والدولية، وإلى يوم الناس هذا يحسبون أنهم سجلوا انتصارات في سوريا ولبنان واليمن والعراق، ولا عليهم أن تلك الانتصارات المتوهمة تراكمت فوق جماجم آلاف مؤلفة، وراكمت نقمة شعبية على إيران في تلك الدول.

وأمريكا هي بالفعل القوة العظمى بلا منافس في عالم اليوم، ولكنها أيضا الدولة التي بلا حبيب في عالم اليوم؛ نعم لها دول حليفة هنا وهناك، ولكن جميع استطلاعات قياس الراي في العقود الستة الأخيرة تشير بوضوح جازم إلى أن هناك ما يشبه الاجماع بين شعوب الأرض على كره أمريكا، وفي ظل مناوبة / وردية ترامب صار حلفاء أمريكا يشعرون بجفاء شديد نحوها، ولا يأمنون غدرها.

وإيران أيضا بلا حبيب أو نصير في محيطها الإقليمي أو في الساحة الدولية، ذلك أن مفاتيح السلطة فيها خلال الأربعين سنة الأخيرة ظلت في أيدي قلة من الأشخاص لا شأن لهم بالسياسة ولا يعبؤون بموازين القوى الدولية او الإقليمية، فرغم أن نظام الحكم في ايران ديمقراطي من الناحية الشكلية، التي تتمثل في اختيار رئيس الدولة وأعضاء البرلمان عبر الاقتراع الشعبي، إلا أن شاغلي تلك الوظائف لابد أن يمروا عبر غربال مجلس غير منتخب (تشخيص مصلحة النظام)، وفي جميع الأحوال تبقى السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية بيد “الولي الفقيه”، الذي هو في منزلة بابا الفاتيكان عند المسيحيين الكاثوليك، كلمته تعلو ولا يُعلى عليها، وبيده الحل والربط.

الحرب أداة انتخابية

في أواخر عام 2011، وباراك أوباما يتأهب للحصول على تفويض شعبي يجعل منه رئيسا للولايات المتحدة لولاية ثانية، وقف رجل الأعمال الأمريكي دونالد ترامب خطيبا في حشد جماهيري لأنصار الحزب الجمهوري المناوئ لحزب أوباما (الديمقراطي)، وقال إنه واثق من أن أوباما سيشن حربا على العراق، يغطي بها خيبات سياساته الداخلية، ويكسب بها شريحة كبيرة من الرأي العام، لأن الجماهير تلتف حول حكومة الأمر الواقع خلال الحروب، وبهذا يتسنى له الفوز في الانتخابات التالية.

واليوم، وبينما تتكشف فضائح الرئيس ترامب بحيث تهدد فرصة فوزه بولاية رئاسية ثانية، ها هو ينجح في قتل سليماني ويصوره على أنه عدو الشعب الأمريكي الأول، وما ذلك إلا لأنه يريد تقديم أوراق اعتماده كمرشح موثوق به في الانتخابات الرئاسية، ولسان حاله يقول “إذا كان أوباما قد نال مجدا لأنه قتل أسامة بن لادن، وإذا كان هناك من يشكك في قتل زعيم داعش أبو بكر البغدادي بتوجيه مني، فهأنذا أقتل سليماني عدو بلادي اللدود”.

وأحسب أن شن الإيراني وطبقة الأمريكاني سيكتفيان بعمليات انتقامية ليست بذات بال خلال الأشهر القليلة المقبلة، وحتى مثل تلك العمليات سيتم إيكالها لوكلاء الطرفين، بمعنى أن اشتعال حرب واسعة النطاق بينهما ليس واردا، لأن أمريكا تعرف أن ملالي إيران لن يتورعوا عن اشعال الحرائق في عموم الشرق الأوسط إذا تعرضت بلادهم لعدوان أمريكي، وبالمقابل يدرك الملالي أن البلد الذي قصف اليابان بالقنبلة الذرية فقط بذريعة اجبارها على التفاوض لإنهاء الحرب، لن يتورع عن تدمير إيران على نحو شامل، إذا بدر منها ما يرقى الى عدوان عسكري يعرض المصالح الأمريكية للخطر.

ولا شك أن ملالي إيران يدركون فداحة المبادأة بالاعتداء على المصالح الأمريكية، بعد أن رأوا كيف قصف الأمريكان العراق وردوه ثمانين سنة إلى الوراء، رغم أن العراق لم يكن في حالة حرب معهم، بل ودخله الأمريكان “لإنقاذ” شعبه من الطغيان والفقر والمرض.

اضف تعليق

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي