رئيس التحرير

البنزين أم التسوُّل ؟!

السبت 11-01-2020 18:48

كتب

* نشرت أمس مقال الدكتور (أحمد حسن الجاك) الذي وجه فيه انتقادات حادة لمذكرة الموازنة لعام 2020 ولقوى الحرية والتغيير ابتداءً من التشكيل الوزاري الذي أغفل وجود وزارة للتخطيط وتسمية وزارة للإعلام والثقافة والسياحة والآثار، مرورا بعدم قدرة موظفي الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية مثل البنك الدولي على اتخاذ القرار باعتبارهم مجرد (خُدام) ينفذون التعليمات فقط، ويقصد بذلك الدكتور ‘براهيم البدوي وزير المالية، وانتهاءً بعشوائية ورومانسية الميزانية وما اقترحته من رفع الدعم عن بعض السلع واكتظاظ المذكرة بالأخطاء النحوية وال‘ملائية والترجمة الغريبة للمصطلحات التي تشبه ترجمة (غوغل) !
* و أجد نفسي أتفق معه في طبيعة تفكير موظفي المؤسسات الدولية الذين جُبلوا على تنفيذ التعليمات وافتقادهم للقدرة على الإبداع خاصة إذا كانوا من دول العالم الثالث خوفا على مناصبهم ذات المرتبات والامتيازات الضخمة، فصاروا مجرد أداة تنفيذية ينفذون تعليمات سادتهم الذين يضعون البرامج والخطط ولا يجرؤون على معارضتهم. بالإضافة الى ذلك، عشقهم الكبير للسفر الى درجة ال‘صابة بمرض إدمان السفر (درومومينيا ــ Dromomania) الذي يجعل ضحيته ينزل من طائرة ليركب أخرى، ويقضي كل أيام حياته في السفر والترحال، وعندما يفقد هذه العادة لسبب أو لآخر مثل فقدان الوظيفة أو شح المال يصاب باكتئاب حاد، ومن أكثر الذين يصابون به موظفو المؤسسات الدولية!
* ولا أتفق معه بالطبع في عدم أهمية وزارة الإعلام رغم اتفاقي معه في أنها من خصائص الأنظمة الدكتاتورية التي تنشئ هذه الوزارة للدفاع عنها والتطبيل لها (عمال على بطال)، ولكن الظروف التي ورثناها من النظام البائد الذي كان يحتكر الإعلام ويسيطر عليه لخدمة مصالحه الذاتية والضيقة والتضييق على الآخرين كانت تحتم إنشاء وزارة إعلام لتصحيح الأوضاع الخاطئة، وأشير هنا الى أن المقترح بعد سقوط النظام البائد كان إنشاء مجلس أعلى للإعلام وليس وزارة للإعلام ولكن عدم وجود الأطر القانونية التي تتيح ذلك أدى لإنشاء وزارة للإعلام بدلاً عن مجلس للإعلام، ولا أعتقد أن هنالك من يجادل في أهمية وجودها لتصحيح المسار الإعلامي في البلاد خاصة مع سيطرة الفلول وأنصار النظام البائد على معظم الأجهزة والمؤسسات الإعلامية والصحفية!
* نأتي الآن للنقطة المهمة وهى رفع الدعم عن بعض السلع خاصة بنزين العربات الذي أؤيده بشدة، وأستنكر على قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين وغيرهم من قوى الثورة الهجوم الشديد الذي شنوه على وزير المالية لاقتراحه رفع الدعم عن بعض السلع، فالكل يعرف الأزمة الاقتصادية الحادة التي ورثناها من النظام البائد وعدم وجود أي مصدر خارجي أو داخلي واضح ومستقر للإيرادات، وتضاؤل احتياطي العملة الصعبة، والعقوبات المفروضة على السودان والديون الخارجية الضخمة التي تقف حائلاً دون تعاونه مع المؤسسات المالية الدولية والحصول على قروض، مما يحتم اتخاذ تدابير وإجراءات اقتصادية صعبة وتحمُل المواطن بعض العبء في سبيل تجاوز الأزمة، والحل الوحيد الذي لا يوجد حل سواه هو رفع الدعم عن البنزين وزيادة سعره، مع تأجيل رفع أسعار القمح والجازولين لارتباط الأول بمعيشة المواطن ارتباطاً مباشراً، وارتباط الثاني بالإنتاج والنقل والترحيل والتأثير على بقية القطاعات !
* الظروف تحتم رفع الدعم عن سلعة البنزين خاصة مع التدني الكبير في سعره الذي يعتبر الأقل في العالم على الإطلاق، ويتضح ذلك من مقارنة سريعة بين السودان ودول الإقليم بما في ذلك الدول المنتجة للنفط مثل السعودية (2 ريال للتر ما يعادل 45 جنيه سوداني)، وفي مصر (7 جنيه مصري ما يعادل 40 ج سوداني) بينما يبلغ السعر في السودان (7 ج للتر)، ومن المفارقات المضحكة أن سعر لتر الماء المعبأ يبلغ (20 ج)، كما أبلغني الكابتن طيار (معتز أبو حراز) أن سعر طن بنزين الطائرات في مطارات السعودية أعلى من مطار الخرطوم لذلك فإنهم يفضلون الشراء من مطار الخرطوم، فهل يعقل ذلك.. قد يحتج البعض أن دخل المواطن في السودان أقل بكثير من تلك الدول مما يحتم أن تكون أسعار السلع الضرورية في متناول اليد، ولكن ما ذنب الدولة في أن تتحمل الخسارة الكبيرة في سلعة لها سعر دولي واحد مثلها مثل الذهب والمعادن الأخرى؟!
* كما أن دعم سلعة البنزين لا تستفيد منه سوى فئة قليلة جداً من المواطنين، وحتى الركشات وعربات الأمجاد التي تتحرك بالبنزين وتُستخدم بكثافة كوسيلة ترحيل، لا يستفيد منها المواطن البسيط لارتفاع الأجرة بشكل كبير مقارنة بسعر البنزين. ويؤدى الانخفاض الشديد لسعر البنزين حيث تبلغ تكلفة ملء تنك العربة حوالي 250 جنيه أقل من سعر (فتيل دواء) لآثار ضارة جداً منها هدر الموارد واكتظاظ الشوارع بالعربات في كل الأوقات بسبب الحوامة المجانية بداع ٍومن غير داعٍ، وتلويث البيئة!
* لو كنت وزير المالية لرفعت سعر لتر البنزين فوراً الى مائة جنيه، أما الخيار الآخر فهو إراقة ماء الوجه والتسول على موائد الملوك وإهدار السيادة السودانية.. فهل يقبل الشعب السوداني هذا الهوان الذي ثار عليه؟!

اضف تعليق

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي