رئيس التحرير

السودان.. تفكيك النظام أم تفكيك الدولة؟

السبت 11-01-2020 10:15

كتب

خلط كبير في السودان بين تفكيك النظام وتفكيك الدولة من قواعدها
القوات النظامية تقوم بواجبها في حفظ الأمن ولا مبرر للحملات العدائية ضدها
القرارات ضد جامعة أفريقيا خصم على سمعة السودان كدولة مقر
جهات سياسية تستهدف السلطة وتظهرها بصورة الارتباك والتردد

هناك خلط كبير اليوم في السودان – متعمد أو غير متعمد – بين مطالب تفكيك النظام السابق وبين تفكيك الدولة والإتيان على مؤسساتها من القواعد. فقد تحولت الفترة الانتقالية إلى فترة انتقامية اختلط فيها حابل مؤسسات الدولة بنابل مؤسسات الحزب الحاكم السابق الذي اطيح بحكمه في ابريل الماضي. وتقع حكومة رئيس الوزراء الانتقالي عبد الله حمدوك أسيرة في قبضة أحزاب قوى الحرية والتغيير التي يغلب اليسار على توجهها، فتحولت الفترة الانتقالية إلى ساحة وغى تدور فيها حرب إبادة جماعية لليمين الذي اعتبر النظام السابق رمزا له. في خضم هذه الابادة الجماعية تضيع مؤسسات الدولة تحت مسوغ أنها جزء من بنية النظام السابق وتستحق الابادة.
ولعل أبرز هذه المؤسسات التي تناوشتها أطراف مؤثرة في قوى الحرية والتغيير الجيش والشرطة والأمن وإن لم يصل الأمر إلى إجراءات فعلية أو اصدار قوانين وتشريعات تمهد لتفكيكها إلا أنها واجهت حملة كراهية وإساءة كبيرتين. وبلغ استهداف الجيش والقوات النطامية مبلغا مما استدعى الأمر أن يقول رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الجنرال عبد الفتاح البرهان: “صبرنا على الاستفزازات ضد الجيش والقوات النظامية”. وكان البرهان يخاطب الاربعاء الماضي ضباط وجنود قوات الشرطة، داعيا إلى ألا تلتفت الشرطة للأقوال السالبة التي ظلت تتعرض لها وأنها تقوم بواجبها على الوجه الأكمل ضد الإجرام وليست عدواً للشعب. وأكد البرهان أن هناك محاولات لتفتيت وحدة السودان من خلال تفتيت الأجهزة الأمنية. ولعل استهداف الجيش والقوات النظامية من الخطورة بمكان ولا يستدعي ذلك صبر المسؤول الأول بأي حال من الأحوال وإلا فإن الأمر يصب في خانة الضعف والتردد.
وإن كانت حالة الفوضى والسيولة الأمنية التي تعيشها البلاد قد كشفت تردد القادة العسكريين وضعفهم، فما بال حال بقية مؤسسات الدولة التي تشكل في نهاية المطاف بنية وهياكل الدولة السودانية؟. بالأمس القريب استهدفت الابادة الجماعية صرحا تعليميا ضخما أشاع نوره كامل قارة أفريقيا بل لامس شعاعه ناحية الصين وإندونيسيا وعدد مقدر من دول أوروبا الشرقية. بدون مقدمات وبعد موافقات سابقة من السلطات الرسمية بعث مجلس السيادة بتوصية من وزيرة التعليم العالي بقرار إلى جامعة أفريقيا العالمية بتأجيل اجتماعات مجلس الأمناء الذي كان مقررا له الخميس والجمعة الماضيين. وكان من المتوقع مشاركة أكثر من 200 ضيف من شتى بقاع العالم من بينهم وزير التعليم العالي في جمهورية بورندي بجانب الاساتذة والباحثين والعلماء من مختلف الدول فضلاً عن أعضاء مجلس الأمناء الذين يمثلون الدول المؤسسة والمشاركة في الجامعة. المثير أن تجمع أساتذة مؤيدا لقوى الحرية والتغيير بالجامعة قال إنه أفلح في تعليق اجتماعات مجلس الأمناء. وانتماء أعضاء هذا التجمع للجامعة يدحض اتهام الجامعة بأنها خالصة لأتباع النظام السابق.
وقالت إدارة الجامعة التي تقدم مديرها لاحقا باستقالته إنه: “استجابة لتوجيهات رئيس مجلس السيادة الانتقالي تعلن ادارة جامعة افريقيا العالمية تأجيل اجتماع مجلس الامناء في دورته السادسة والعشرين والذي كان مقرراً له ان ينعقد يومي الخميس والجمعة 9، 10 يناير 2020 وتتقدم ادارة الجامعة بالشكر والتقدير لأعضاء مجلس الأمناء الذين وفدوا من خارج السودان وتتمنى لهم اقامة طيبة وعوداً حميداً الى بلدانهم”. ويمثل مجلس أمناء الجامعة السلطة العليا بالجامعة التي تنظر في كل الجوانب الادارية والمالية المتعلقة بالجامعة. وجامعة أفريقيا جامعة عالمية في السودان وتحكمها اتفاقية مقر مع السودان موقعة في الخامس من يناير 1972م حيث كانت تعرف بالمركز الاسلامي الأفريقي، وهي اتفاقية تمنحها صفة مؤسسة دبلوماسية دولية. وقد جاءت مبررات تأجيل اجتماع مجلس الأمناء، بأن السودان سيعيد النظر في اتفاقية المقر ومرجعيتها ومراجعة تكوين مجلس الأمناء. ويحتم التزام السودان باتفاقية المقر ألا يتخذ مثل هذا القرار المتعجل المتأثر بالصراع السياسي في الداخل السوداني وفي المقابل من حقه طرح وجهة نظره في اتفاقية المقر من خلال ممثله في مجلس الأمناء على أن تمضي ترتيبات انعقاد مجلس الأمناء كما خطط لها. ولعمري إن هذا القرار يخصم كثيرا من سمعة السودان بشأن التزاماته الدولية تجاه المؤسسات الدولية التي تتخذ من السودان مقرا لها.
إن التدخل الموتور الذي جعل مجلس السيادة يستجيب لتوصية وزيرة التعليم العالي يؤكد أن جهات سياسية تتلاعب بالسلطات الحاكمة ويظهرها بمظهر الضعيف والمتردد. فقد سبق أن التقى مدير الجامعة برئيس مجلس السيادة ووزيرة التعليم العالي واطلعهما على مجريات الأمور في الجامعة وترتيبات اجتماع مجلس الامناء وجرى التواصل باستمرار مع هذه الجهات الرسمية. بل إن القصر الجمهوري أكد حضور مجلس السيادة للجلسة الافتتاحية كما تسلمت الجامعة كلمة وزيرة التعليم العالي المتوقع ان تلقيها في الجلسة الافتتاحية كما إنه وفي إطار التواصل مع مكتب رئيس مجلس السيادة الانتقالي وفرت الأمانة العامة لمجلس السيادة كل المطلوبات التي طلبتها الجامعة من تسهيلات درجت رئاسة الجمهورية على توفيرها كل عام.

yasirmahgoub@hotmail.com

التعليقات مغلقة.

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي