رئيس التحرير

السودان: كلا لن ارضخ لهذا العبث

الإثنين 18-11-2019 06:30

كتب

لا أعتقد أني أقول شيئاً جديدا، ولا أنتظر أن يخالفني أحد فيما أذهب إليه، فنحن نرتاب في هذه الحكومة التي جاءت بعد تضحيات جسام، ونسيء الظن بها، وليس مرد هذا الارتياب تقلبها المنكر الذي تتردى فيه، فاضطرابها وخطلها نستطيع فهمه وإساغته، وقد نشاركها فيه، ونضيف إليه، بعجلتنا ولهفتنا للخلاص، شكوكنا التي تخامرنا تجاه حكومة السيد حمدوك ورهطه سببها سياساته التي يعدها البعض غامضة مبهمة، شديدة الإبهام والغموض، ونعدها واضحة بينة لا لبس فيها ولا جهام، فسياسة حكومة الحرية والتغيير تابعة تبعية عقلية للغرب وتقتفي معالمه، ومما لا يند عن ذهن أو يلتوي على خاطر أن تبعيتها له أمراً بارزاً غير مدّغم، ومعرباً غير معجم، ومحصحصاً غير مجمجم، وهي لا تلائم مطلقاً الأصول المقررة التي نادت بها ثورة أبريل المجيدة، فثورة أبريل التي تأثر بها الناس واتخذوها نموذجاً ومثلا، كانت تروم من الحكومة التي تتمخض عنها أن تكون خالصة من الرياء والنفاق والتبعية، وقد سرها وسرنا زعم السيد حمدوك رئيس الوزراء أن حكومته سوف تنأى بنفسها عن سياسة المحاور والاستقطابات التي فرغ لها نظام البشير البغيض ولم يكتفي أن يلم بها إلماماً يسيراً بل أتقنها وأجادها، وبلغ بها الغاية التي يرتجيها وهي إطالة وجوده في سدة الحكم.
كل شيء في حكومة السيد حمدوك تتعهده بالرعاية والعناية، وتجعله موضوعاً للنشاط والخصب حتى تكسب منه الرضا والفوز، فالغرب الذي وثق بها واطمئن إليها، يسره أن تصطنع حكومة ما بعد الثورة هذه الأداة التي تتناقض مع مبادئنا وعواطفنا، وهي تذيع هذه الدعوة وتمعن فيها، وتلغي حجة الدين الذي اتصل الناس به واختلفوا إلى دروسه منذ نعومة أظافرهم، لقد ظهر ظهوراً واضحاً جداً أن الحكومة الجديدة تريد أن يخضع السود خضوعاً تاماً لعلمانية لا عهد لهم بها، وهي لا تريد أن تأخذهم أخذاً رقيقاً لا يكلفهم نصباً أو مشقة، وكأنها في تنافس محموم مع أحد الدولة الخليجية التي تكونت نظمها وسننها على هدي القرآن الكريم والمحجة البيضاء، فحادت عن ذلك وأمست مرمى لأغراض الطامعين، تستجيب لكل ناعق، وتحتفي بكل جاهل، نحن نعلم أن الغرب يصطنع الخداع والتضليل لتمرير أجندته، هو يطلب أمراً ويلح فيه، وهو أن يطرأ التغيير والتبديل بحياتنا التي عهدناها ونشأنا عليها، وأن نؤسس لنظمنا التربوية والاجتماعية والاقتصادية دون أن نأخذ بأسباب الدين في كل هذا، فالدين هو الذي اضطرنا إلى هذا الفقر والبؤس والانحطاط وأخرنا عن الالتحاق بركب الحضارة الغربية التي تمسك بعصم كل شيء، وأكبر الظن أن السادة أرباب الحكم والتشريع في أرض النيلين قد لامهم الغرب أشد اللوم وأشنعه، لأنهم ما زالوا يتوجسون من هذه الطائفة الضئيلة التي خرجت مستنكرة من مسجد أحد الدعاة في الخرطوم وهي رافضة حكومة حريصة أن تقوي الزيغ والضلال وتنميه، فوزير الأوقاف حصر عنايته واهتمامه بعبدة الأوثان في بلاده، فما أكبر النبوغ الذي أضاعته الحكومات المنصرمة وذهب هدراً، فهذه الفئات التي أهملت يجب ألا نقصر في التفكير فيها، والتنبيه إليها، فهي حتماً تحمل في أدمغتها عقولاً جذلة، رغم أنها لا تجد شيئاً ولا تحس شيئاً، فهذه الطائفة التي ما تزال تعيش في سجية الماضي يبحث عنها هذا الوزير الذي لم يظفر بتأييد أو تشجيع إلا من حزبه الذائب في المنفعة والمغالي فيها، يبحث عنهم هذا الوزير الألمعي النابه لأنه يريد أن يوازن بينهم وبين أترابهم من المسلمين، وحتى يستمتعوا بحقوقهم الوطنية بعد أن يقوي هو مشكاة دينهم ويذكيها، كما أظهر هذا الوزير ضجره وتبرمه عن تحمل أعباء الحياة دون عودة جزء أصيل من هذا الشعب، فاليهود يجب أن يتقاطروا زرافات ووحدانا إلى حضن وطنهم، حتى يشتركوا مع السود في مقومات الوحدة الوطنية، فالسودان كما زعم السيد حمدوك وطن متصالح مع نفسه وقادر على إدارة التنوع والتعدد بين مختلف مكوناته، وأن عودة اليهود ذوي الأصول السودانية كما قال لقناة الجزيرة سوف تعزز من ثقافة التسامح الديني وهذا ما رمى إليه وزيره اللوذعي.
ووزيرة أخرى لم يمضي أدائها بريئاً من العوج والالتواء، فهي لا ترى أي لوناً من ألوان الشر حينما تدفع بفتياتها الأشاوس لمعترك كرة القدم وتدعو قبيلة الرجال لمشاهدتهن، وما ضرها إن فعلت ذلك، فالإنقاذ التي تؤثر الدين وتبالغ في إكرامه، سبق لها تنظيم مثل هذه الرياضة، ولم ترضخ لمن وجّه لها النصح والإرشاد وأمرها بتحقيق الصلة بين هذه الرياضة وبين حقائق الدين التي تدعو لدرء كل مفسدة، وتحقيق كل مصلحة، وحينما شاع في مسجد ما من مساجد الخرطوم مخايل النشاط والقوة وأمر ذلك الداعية ما أمر به نظام البشير من قبل، وجد نفسه في خصومات متصلة مع تلك الوزيرة وحكومتها التي أعلنت على الملأ تضامنها مع وزيرة الشباب والرياضة، ولم تهدأ ثائرتهم تجاه هذا الشيخ الذي رموه بكل سوءة شنعاء، ومعرة دهماء، لأنه عارض تثقيف الشعب وتهذيبه، وتنقيته من أوضار الدين، وتصفية طبعه من شوائب العادات.
ووزير آخر لا يعرف القراءة الهادئة المطمئنة لأفكاره، ويدرك أن الخير كل الخير في تمحيص أفكاره ودراستها قبل التفوه بها، لقد أضر هذا الوزير إلى أبعد حد ممكن باقتصاد البلاد وأزرى به، حينما تحدث عن صادر الماشية الذي يعاني من كل وصب وعلة.
ووزير آخر عاكف على نفسه، هائم بها، فارغ لها، فاني فيها، يزعم أن من كانت الكفاية شعارهم، والأمانة دثارهم، والحرص على الكتاب مذهبهم، والشهامة مركبهم، عاجزين عن تلقين القرآن وتحفيظه لطلبتهم في الخلاوي والمنارات الدينية حتى يعاقروا الدن والمريسة ويواظبوا على شربها، ويقضوا ردحاً من أوقاتهم بين أقداحها وجاماتها، فهي التي تبيح لهم الصبر والمضاء لتنفيذ مهمتهم النبيلة، ونحن نعيش في الخيال، ونضطرب في الوهم إذا سعينا لاستئصال شأفة الخمر وإزالتها عن حياتنا، فحتى حماة الكتاب وحفظته تقوم حياتهم على الخمر وتنصلح بها أمورهم.
ووزير آخر جعل السخط يتسرب إلى الأسر بعد أن شكك في نتائج الشهادة السودانية ورماها بكل زيف وبهتان، كما ملأ القلوب فزعاً وإشفاقاً بعد أن طعن في نزاهة المعلمين وشرف مهنتهم السامية، وجعل القيادات التعليمية لا تكف من الإلحاح والشكوى داعية لرد الكرامة للشهادة الأولى في محيطها، وفصل وزير يجهل أخلاقهم ومناقبهم جهلاً تاماً، ولا شك أن حكومة السيد حمدوك تتحمل مغبة مثل هذه التصرفات التي تند عن ممثليها، ودور الصحافة كما يعلم السيد حمدوك وكماته الأبطال هي توجيه كل مسؤول ورده إلى القصد إذا أجحف أو جار وإرشاده إذا تنكب عن الطريق.
وما أجدر بنا أن نقف على وعود السيد حمدوك التي لم يتحقق منها غير أطياف، فما زالت الجائحة الاقتصادية تبطش بالسود وتسلط عليهم الغرث والجوع، وما زالت قوات الدعم السريع تمضي حازمة عازمة ولم نرى إدراجها في القوات المسلحة التي اختفت فجأة وغابت عن الأنظار، وما زال الفريق أول محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي الذي لم يلتحق قط بأي مؤسسة عسكرية ويتدرب بين أسوارها، ويتدرج بعدها في الرتب حتى يحوز على هذه النياشين والرتب الرفيعة، وينال هذا المنصب الباذخ الذي يتطلب المعرفة والبذل والتضحية، يتصرف حميدتي في جبل أبو عامر والسودان بأسره كما يتصرف الرجل في تالده وطريفه،  ويلح حميدتي ويجِدّ في تحقيق حلمه الأعظم وهو حكم السودان رغم ما يعترض طريقه من عقبات، فما زالت الدماء التي سفكتها قواته في ميدان الاعتصام ثائرة ندية، كما ما زالت حكومة حمدوك المؤقتة متقاعسة عن التحقيق في مهلكة الثامن وعشرين من رمضان، وفي حسم القضايا السيادية مثل قضية حلايب وشلاتين التي شمخ فيها الشقيق بأنفه ومصرّها بعد أن كانت سودانية محضة، بل بلغ به الفُجر أن يبني قاعدة” رأس بناس” في تلك الديار التي يعلم أن أصحابها قد فرطوا فيها، ولم يقاوموا ما وسعتهم المقاومة لردها واستعادتها، وما زال أمر السودان مرتهناً بيد الإمارات والسعودية تتصرف فيه على وجه يلائم حاجتها ومنفعتها، وفي هذا هوان لا يضاهيه هوان وهو شيء وقعه شديد على النفوس الأبية التي اعتادت أن تكبر ذاتها وتنزهها عن الدنايا،  كما نشعر بالعجب والغرابة من إصرار هذه الحكومة على حل المعضلة الاقتصادية عبر العطايا القادمة من الخارج، فوزير الاقتصاد السوداني إبراهيم البدوي الذي أنكر في جرأة وصفاقة حديثه الذي أدلى به لطارق القاعي من إذاعة مونت -كارلو والذي وصف فيه الاقتصاد السوداني بأنه اقتصاد معاق نتيجة لتركة ثقيلة من النظام البائد وقد تكرّست الإعاقة أكثر كنتيجة لحاجة الولايات المتحدة لأخذ بعض الوقت لرفع اسم السودان عن لائحة الدول الداعمة للإرهاب” الأمر الذي رفع من أسهم الدولار أمام الجنيه السوداني المتداعي، كما أفزع هذا التصريح الدول المانحة وكل مستثمر يروم أن يغامر بثروته في وطن تركض فيه المصائب وتتسابق إليه النكبات.
وحمدوك الذي يفخر بتاريخه الشيوعي ويتباهى به، تشهد حكومته خلافات متأججة، وصراعات حادة، بين الأحزاب التي تشكلت منها حكومته التي تشتاق أن يدنو منها الاستقرار، وتذعن لرغبتها السكينة، وحتماً أن هذه الخلافات لم تخلق نفسها، أو تعلو وتضطرب دون أن يثيرها مثير، فقد اتسعت دائرة هذه الخلافات التي لا يعنينا الآن أن نحدد أسبابها ونحصيها بين حزب الأمة والشيوعي من جهة، وبين المؤتمر السوداني والشيوعي من جهة أخرى، ولكن نستطيع أن نؤطرها في غياب البرامج الواضحة التي يجب أن تسلكها حكومة الحرية والتغيير دون أن تلجأ لسياسة الهوان والاستخذاء أمام الأوربيين والأمريكان.

 

الطيب النقر

اضف تعليق

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي

البوم الصور