رئيس التحرير

القطار دور حديدو

الجمعة 08-11-2019 12:21

كتب

لا شئ يضاهي متعة السفر بالقطار ..الا بهجة لقائه بعد طول انتظار …هل مرت عليك صور ترحيب مدن الشمال بقطار الاكسبريس؟ ..وفرحة الاهالي بعودة قضبان السكة حديد الى العمل مرة اخرى ؟..والقطار الذي سار متهاديا بين كلمات الترحيب وزغاريد الفرح ..استقبلوه بالشربات والحلويات ..بالهتافات ..وتعانق الجميع احتفالا بعودة الدماء الى شريان الشمال…خرجت عطبرة والشريك ..وابو حمد وغيرها ..اما في وادي حلفا فقد كان يوم العرس الاكبر عندما اطلق القطار صافرته وهو يمر عبر محطة (السندة ) ..مؤذنا بدخول حلفا بعد طول غياب ..
..لا تحسبن ان لقاء قطار الاكسبريس هذا (بدعة ) ..فمقابلة القطارات كانت عادة محببة ..وعبارة (ماشين نقابل القطر ) مجازية ..اطلقوا الكل وارادوا الجزء ..والمقصود انهم يودون لقاء من بداخل القطار ..وكانت المحطات السودانية خلافا لكل محطات العالم لا تضم فقط المسافر والقادم على متن القطار ..ولكن يتواجد فيها عدد لا يستهان به من أصحاب اللقاء لاولئك العابرين لمحطة القطار … (ماشين نقابل الاكسبريس ) ..عبارة كانت تتردد كثيرا عندنا في البيت في عطبرة ..واكيد ان هناك بيوت اخرى تتردد عندها ذات العبارة مع اختلاف المدينة ..هناك من يذهبون للقاء قطر (كريمة )..او قطر (بورتسودان) ..اما المحلي( داخل عطبرة) فله استقبال خاص
مقابلة الاحباء على متن القطار ..كانت تتم بترتيب عال ..تبدأ (خبرية) او تلغراف ..بأن فلانا سيكون على متن اكسبريس حلفا الاحد القادم ..فلان هذا له امر هام تجب مقابلته من اجله (عزاء واجب ..او مسافر لعلاج ..او ربما دراسة ) ..كان الاستعداد للمقابلة كما للسفر ..لابد من اعداد غداء ..وبالتاكيد (ثيرموس) شاي باللبن ولقيمات ..نذهب للمحطة ونصطف بالرصيف ..وتنادي بأعلى صوت مقابل الدرجة التي تتوقع ان يكون فيها المقصود بالمقابلة ..ووسلامات وتراحيب ..ومن ثم تجد الناس قد تحلقوا في حلقات صغيرة ..ترتفع اصوات عزاء من جهة ..وربما تجد البعض يزغرد للعرسان المسافرين الى شهر العسل بمصر ..او من يوصي بالالتزام بالدراسة و هناك من يدعو بالشفاء العاجل ..وو والشاي مدور ..و(عمدان )الاكل مفتوحة توزع الرائحة الطيبة على الجميع ..والكل يعزم عليك ان (تفضل) ..
ابن خالتي (نبيل محمود) ..كان في طريقه الى وادي حلفا ..ترجل عن القطار في محطة ابي حمد (ابو حمد مشهورة بالشاي اللبن المقنن ومعه لقيمات ساخنة ..) ..وجد امرأة جالسة ومعها مجموعة من الشباب وبجانبها عدد 2 ثيرموس وصحن ملئ بقطع الكيك ..قال في نفسه (الامور حصلت فيها مستجدات وكيك وحاجات وشنو ) ..لم يتردد نبيل ..واخذ كوب فارغ ..صب شاي لنفسه واخذ 2 قطعة من الكيك اللذيد ..وتنحى جانبا ..اكل وشرب وحمد الله ..ومن ثم ادخل يده في جيبه واخرج محفظته وعاد الى المرأة قائلا (انا شربت كوب شاي واخدت 2 قطعة كيك ..كم الحساب ؟ ) ..تعالت الضحكات من الشباب وقالت المرأة بابتسامة حانية (يا ولدي الحاجات دي ما للبيع ..انا جيت اقابل اولاد اخوي ديل ماشين مصر ..وانت ياك ولدي وضيفنا في ابو حمد ) ..نبيل لا يزال يحكي هذه الطرفة وهو يضحك ويدعو لتلك المرأة بالخير الوفير.
الذين يعتقدون ان القطار وسيلة للتنقل بين مكان وآخر ..عليهم ان يراجعوا انفسهم ..القطار رفيق درب ..وصديق عمر ..وابن بار طال غيابه فاشتاقت الأنفس لرؤيته .. .فوجب استقباله بالاهازيج والورود ..والدعوات بدوام الحال ..ويا قطار اكسبريس حلفا ..العائد من عمق الغياب …(جيتنا وفيك ملامحنا).

اضف تعليق

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي