رئيس التحرير

تصفير السجون حسابات الربح والخسارة

الخميس 07-11-2019 18:27

أسماء محمد جمعة

كتب

النظام المخلوع وفر للمواطنين كل الظروف التي تجعلهم يقعون في الجرائم عمدا أو جهلا، فاكتظت السجون بالنساء والشباب والشيب وحتى الأطفال، فقد تخلى عن كل مسؤولياته تجاه المجتمع ففقد المواطن الأمن والأمان، وبلا شك إذا قمنا بدراسة حالات النزلاء سنجد أن وراء أغلب الجرائم دوافع مادية، وبلا شك إن وجد المواطن العمل الذي يلبي طموحاته لن يختار هذا الطريق غير المأمون.

الغريبة أن هناك أعدادا كبيرة من النزلاء لم يرتكبوا جريمة وإنما هم مدينون، يتم التحفظ عليهم في السجون إلى حين السداد مع أنه ليس هناك أي حكمة من هذا الإجراء، أحيانا يقضي المدين سنوات طويلة دون فائدة إن خرج لاستطاع الإيفاء بالدين وإلا فإنه سيبقى مكتوف الأيدي، وأحيانا يموت داخل السجن ويفقد المدين كل شيء وأعتقد أن هذا قهر وليس عدالة، يجب أن تجد الحكومة الانتقالية حلا لهذا الأمر.

إحدى السجينات تبقى لحين السداد دخلت السجن بسبب أنها استدانت أموالا لعلاج ابنها المصاب بمرض ولد به ويحتاج إلى عمليات خارج السودان، والدائن اشترط عليها زيادة نسبة الدين كلما تأخرت فما كان منها إلا أن وافقت، فحبها لابنها عمى بصيرتها ثم عجزت عن السداد، وبعدما عرف الدائن أن أمواله قد ربحت الكثير أدخلها السجن وانتظر، هذه المرأة إن كانت الدولة قد وفرت لابنها حقه في الصحة لما وقعت في هذا المأزق ولما استغلَّها تجار الربا، وإن كان هناك عدل يجب أن تحاكم الدولة وتسدد عنها هذا المبلغ وتطلق سراحها بل وتمنحها تعويضا عن الضرر الذي لحق بها وبطفلها المريض الذي يحتاجها الآن وأسرتها.

حقيقة كل من يدخل السجن رجلا كان أو امرأة يكلف الدولة الكثير ويخسر المجتمع أكثر، فكثير من السجناء لهم مسؤوليات اجتماعية، تخيلوا معي كيف يعيش أطفال السجينات وأسرهن الآن، وكيف سيضمنَّ مستقبل أبنائهن ونحن في مجتمع لا يرحم، حقيقة الأمر صعب.

إحداهن باقية لحين السداد قالت لي أنها لا تنام وأن قلبها يتقطع، فقد علمت أن أبناءها الأربعة رفضوا الذهاب إلى المدرسة حتى تعود ويبقى السؤال متى تعود ليعودوا إلى المدرسة؟ والسؤال الأهم كم سيدفع المجتمع مقابل ضياع هؤلاء الأطفال، وعندما نضيف إليهم بقية أطفال السجينات والسجناء في كل السودان ستكون الخسارة بلا شك أكبر مما يتصورها عقل أي شخص، لذلك إطلاق سراحهم والعمل على محاربة أسباب دخول السجون ينقذ السودان من كارثة حقيقية.

ما يهمنا الآن أن تعالج الحكومة الانتقالية أوضاع كل النزلاء، وها هو الشعب كله مستعد لمساعدتها، فيجب أن تتحرك بسرعة وأن تصدر قرارا بالعفو العام وفتح صفحة جديدة لكل مواطن بالعدل دون أن تظلم صاحب حق.

حقيقة أمر مخجل أن يكون لدينا نساء سجينات بسبب الديون ولهن أطفال سيضيعون في غيابهن لا بد أن يخرجن، أما الرجال فعليهم أن يخرجوا ليعالجوا مشاكلهم بعد أن يلتزموا كتابة بعدم العمل على زيادة الديون وعدم استخدام أية طريقة غير قانونية للتكسب ووضعهم تحت المراقبة مع توفير مكتب استشارات يقدم لهم المساعدة في حل المشكلات التي تعتريهم.

عدد المساجين في السودان حوالي 30 ألف تخيلوا إن شملهم العفو العام بلا شك ستوفر الدولة ميزانية ضخمة كانت تذهب لإعاشتهم وخدماتهم المختلفة، بل يمكنها أن تحل بها مشاكل كثيرة منها مشاكل المساجين وأغلبهم شباب، وبصفة عامة هناك مكسب كبير للمجتمع من تصفير السجون وخسارة أكبر إذا لم نفعل.

الأمر مهم جدا تحتاج الدولة إلى وقف الأسباب التي تقود المواطنين إلى السجون من خلال حل مشاكل الاقتصاد وتوفير العمل ومتطلبات الحياة الكريمة التي تسمح للفرد أن يحقق كل طموحاته وإرساء دولة الرعاية الاجتماعية، هذا هو الطريق الوحيد لإخلاء السجون الذي جعل كثيرًا من الدول تغلق سجونها نهائيا.

اضف تعليق

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي