رئيس التحرير

من منظور فني.. التفاصيل الكاملة لأزمة سد “النهضة”

الثلاثاء 05-11-2019 18:25

كتب

– بعد 8 سنوات من مفاوضات فنية لم تتوصل الدول الثلاث إلى اتفاق وسط تحذيرات مصرية من أضرار وأحاديث إثيوبية عن فوائد
– الأطراف الثلاثة تلتقي في اجتماع وساطة بواشطن الأربعاء على أمل التوصل إلى اتفاق ينهي النزاع حول السد

منذ انطلاقها قبل 8 سنوات، لم تراوح المفاوضات الفنية بشأن سد “النهضة” الإثيوبي بين القاهرة وأديس أبابا والخرطوم مكانها، وسط غموض وحجب يكتنفان هذا المسار في أروقة الإعلام والسياسة، رغم كونه أكثر المسارات جدلًا وتأزيمًا للمواقف، وفق مراقبين.

في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أعلنت مصر وصول المفاوضات إلى “طريق مسدود”، مطالبة بوسيط دولي، في مقابل رفض إثيوبي، تبعه إعلان أديس أبابا الموافقة على حضور اجتماع تستضيفه واشنطن الأربعاء، وتحضره السودان، الدولة التي لا تشكو من أضرار محتملة من السد، على عكس مصر.

وتفيد تقارير غير رسمية بأن منافع السد (قيد الإنشاء) للخرطوم أكثر من أضراره، لاسيما في مجال التعاون الكهربائي وتخفيض الإطماء بالنسبة لسدودها، وانتظام تصرف النيل الأزرق، الذي يمدها بحصتها من المياه (18.5 مليار م³).

موقف السودان، الذي لا تعرف عادة وجهته مع مصر أم مع إثيوبيا، أوضحه تصريح لوزير الخارجية السوداني السابق، إبراهيم غندور، أوائل 2018، بالقول إن السد من شأنه إعادة حصة السودان من المياه، التي كانت مصر تحصل عليها (لم يحددها).

وتأتي المخاوف المصرية مع قلق من تهديد حصتها المائية السنوية (55.5 مليار م³)، وتسعى مباحثاتها الفنية إلى الإبقاء عليها في سنوات ملء وتشغيل السد، وهو ما تراه إثيوبيا مساسًا بسيادتها وحقوقها في التنمية وتوليد الكهرباء، دون الوصول لحل مرضٍ للطرفين.

وترصد الأناضول في هذا الإطار التفاصيل الكاملة للمسار الفني في سبع نقاط:

أولًا: مواصفات السد

– جغرافيًا، يقع سد “النهضة”، الذي تم تدشين بنائه في 2011، على النيل الأزرق، قرب الحدود الإثيوبية السودانية.

– أما جيولوجيًا، فيقع السد في منطقة تتكون من صخور متحولة وبركانية بازلتية، وتعاني من تشققات وفوالق، مما يزيد من فواقد المياه ويقلل نسبة الأمان. ويبلغ منسوب أرضية السد 500 متر فوق سطح البحر، وفق وزير الري المصري الأسبق، محمد نصر علام، في مذكرة استرشادية للمفاوض المصري في مفاوضات واشنطن الأربعاء، نشرها في صفحته بـ”فيسبوك”.

– النيل الأزرق يزود نهر النيل بحوالي 50 مليار م³ سنويًا، أي ما يعادل نحو 60 بالمئة من مياه النيل، وفق كتاب “حرب المياه على ضفاف النيل”، الصادر عام 2013، للكاتب المصري، عمر فضل الله.

– سد “النهضة” له ملحق مكمل يمتد على طول 5كم، ويبلغ ارتفاعه نحو 50م.

– يُقام السد الأساسي، محل المفاوضات الفنية، على مساحة 1800 كم.

– بحسب القائمين على المشروع، تبلغ تكلفته المبدئية 4.7 مليار دولار. وأعلن رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، أمام البرلمان في فبراير/ شباط الماضي، أن “تأخير بناء السد أظهر زيادة في التكلفة بنسبة 60 بالمئة”.

– يبلغ ارتفاعه 145 م وعرضه 1800 م تقريبًا، وهو مكون من الخرسانة المضغوطة.

– اكتمل بناء 68.3 بالمئة منه أواخر سبتمبر/ أيلول الماضي، وسيتم الانتهاء منه في 2023، وفق أبرهام بيلاي، الرئيس التنفيذي للطاقة الكهربائية في إثيوبيا.

– أكبر سد كهرومائي في القارة الإفريقية، وسابع أكبر سد في العالم.

ثانيًا: السعة التخزينية

– تفيد دراسات بأن السعة التخزينية الأولى كانت مقدرة بـ11.1 مليار م³، قبل أن تُرفع إلى 17 مليارًا في مارس/ آذار 2011، ثم 62 مليارًا مع تدشين السد، ثم 74 مليارًا، وفق كتاب “حرب المياه”.

– السعة التخزينية تقترب من حصتي مصر (55.5 مليار م³) والسودان (18.5 مليار م³) سنويًا.

– يحمل 3 قنوات تُستخدم لتصريف المياه، والسيطرة على منسوبها.

– أعلنت إثيوبيا بدء ملء الخزان فى ديسمبر/ كانون الأول 2020.

– ملء الخزان ليس له علاقة باكتمال البناء، بل يرتبط بإنتاج الطاقة، وفق تصريح لمدير المشروع، كفلي اوراو، مطلع 2019.

– تم ملء 8 ملايين م³ من خرسانة الخزان من إجمالي 10.4مليون م³، وفق أوراو.

– وفق مصادر مصرية معنية، أوردها إعلام محلي دون تسميتها، فإن الأرقام الخاصة بالتخزين متغيرة حسب تدفقات بحيرة تانا (من منابع النيل الأزرق) سنويًا، والتي تساهم بحوالي 4 مليارات م³ من المياه في إيراد النهر.

ثالثًا: إنتاج الطاقة

– للسد محطتان لتوليد الكهرباء، عبارة عن 16 وحدة توربينية تتوزع على جانبيه.

إثيوبيا كانت تستهدف إنتاج الطاقة في 2014، لكن تأخر الأمر بسبب اكتشافها وجود وادٍ عميق أثناء تغيير مجرى النيل، ثم تأخر ثانية في 2017 لعدم وفاء الشركة المنفذة بالتعاقدات المتفق عليها، بحسب إدارة المشروع.

أعلنت إدارة المشروع البدء في بناء 11 وحدة طاقة، منذ سبتمبر/ أيلول الماضي، بواسطة شركة صينية، بخلاف وحدتي الطاقة الحالتين التي تبنيهما شركة فرنسية.

– الإنتاج الأول سيبلغ 750 ميغاوات باستخدام توربينين، ويبدأ بين نهاية 2020 وحلول 2021.

– عند اكتماله، سيولد السد 6450 ميغاوات، أي أكثر من ثلاثة أمثال الطاقة المولدة من السد العالي جنوبي مصر (2100 ميغاوات).

رابعًا: سنوات الملء

تقدمت مصر بمقترح إلى إثيوبيا مؤخرًا، بحسب الوكالة الإثيوبية للأنباء، يتضمن:

1- ملء السد خلال 7 سنوات.

2- الإبقاء على مستوى المياه في سد أسوان (جنوبي مصر) عند 165 م فوق سطح الأرض.

3- تقدم إثيوبيا لمصر 40 مليار م³ سنويًا من المياه.

وردت إثيوبيا، بحسب المصدر ذاته:

– إذا قبلت إثيوبيا بند 2 و3، “هناك احتمال بعدم القدرة على ملء السد أبدًا.. كما ستفقد مزاياه الاقتصادية والاجتماعية”.

– تقلب النيل بين 29 مليارًا إلى 74 مليارًا يصعب إطلاق هذه الكمية معه.

– اقتراح مصر ينتهك مبدأ الحق السيادي في استخدام الموارد الطبيعية، بما فيها المياه.

ولم تعلن مصر ولا إثيوبيا رسميًا سنوات الملء والتشغيل المقترحة.

بينما قال وزير الري السوداني، ياسر عباس، في 5 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، إن إثيوبيا اقترحت بين 4 إلى 7 سنوات لملء السد.

وقالت مصادر مصرية لوسائل إعلام محلية مؤخرًا إن رفض المقترح يؤكد أن:

– سعة التخزين تتجاوز 74 مليار م³ من المياه.

– حجم الفواقد في موقع بحيرة السد لن يقل عن 5 مليارات م³ سنويًا.

– كان مطلب إثيوبيا هو ملء الخزان في 4 سنوات، وفي حال الجفاف 6 سنوات، بينما مقترح مصر كان 7 سنوات، ويربط العملية بالتغيرات المناخية، وفي حال حدوث جفاف تتوقف عملية ملء خزان السد.

– المقترح الإثيوبي يعترض علي رقم 40 مليار م³ سنويًا بعد الملء الأول، ويريد تقليصها إلى 5 مليارات م³ من المياه سنويًا.

– التخوف يأتي من حجم وأسلوب الملء الأول للخزان وحجم فواقد البخر والتسرب السنوي منه، وتأثير ذلك على التصرف الطبيعي للنيل الأزرق، وبالتالي على حصة مصر والسودان (دولتي المصب).

– التأثير الأكبر قد يكون في فترة التشغيل؛ بسبب التأثير التراكمي لفواقد السد والبخر، مما يؤثر على سد مصر وسدود أخرى بالتبعية. فلو افترضنا مثلًا أن هناك 5 مليارات م³ زيادة في محصلة فواقد البخر والتسرب بسبب بحيرة سد “النهضة”، فستبلغ 50 مليار م³ في 10 سنوات.

خامسًا: حلول مصرية

1- زيادة فتحات السد

– ومن أبرز محطات التفاوض بين البلدين، الاجتماعات الفنية لزيادة فتحات تصريف المياه خلف السد، في أديس أبابا عام 2016.

– يشمل تصميم السد فتحتين لتمرير المياه تحت جسمه، وأربع فتحات لتوليد الكهرباء فى مستوى جسم السد.

– المقترح المصري، آنذاك، طالب بزيادة عدد فتحات تمرير المياه لتصبح أربع فتحات؛ لضمان استمرار تدفق المياه خلال فترات المناسيب الضعيفة للنيل.

– موقف إثيوبيا:

– أعلنت رفض المقترح المصرى، وقالت إنها أجرت دراسات مكثفة حول المشروع قبل البدء فيه، ولا تحتاج إلى إعادة تصميم لزيادة الفتحات.

– “الفتحتان الحاليتان فى السد تتيحان ما يكفي من المياه لمصر والسودان”.

2- الإدارة المشتركة للسد

هذا مقترح فني يبدو خافت في أروقة المفاوضات، لكنه طُرح إعلاميًا بمصر، ولم تعلق عليه إثيوبا بعد.

روبير إسكندر، سفير مصر الأسبق فى إثيوبيا، قال لإعلام محلي مطلع 2016 إنه حال لجوء مصر إلى مجلس الأمن الدولي لحل الأزمة، يُتوقع أن يُصدر المجلس قرارًا بالعمل على إيجاد إدارة مشتركة للسد من الجانبين المصري والإثيوبي وبإشراف أممي.

وستعمل الإدارة المشتركة على مراقبة عمل السد وزيادة فتحات توليد الكهرباء ووصول المياه لمصر فى الوقت نفسه، دون تأثير على أي من الأطراف المشتركة، بحسب إسكندر.

سادسًا: فوائد وأضرار السد

الملاحظات الإثيوبية الرسمية والمصرية غير الرسمية تقودنا إلى الفوائد والأضرار المحتملة.

الفوائد الرئيسية للسد بالنسبة لإثيوبيا:

1- إنتاج طاقة بمقدار 6450 ميغاوات.

2- زيادة الإيرادات عبر صادرات كهرباء السد.

3- تنمية الاقتصاد المحلي، حيث يروج المشروع لشبكة تجارية جديدة قرب المنطقة.

4- تطوير أنشطة صيد الأسماك، حيث سيخلق السد سعة تخزينية، ما يوفر فرص عمل متصلة بالصيد.

5- تنويع وزيادة توفير الغذاء للسكان المحليين.

6- الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عبر إنتاج طاقة نظيفة ومتجددة غير مضرة بالبيئة.

أما بحسب مسؤولين سابقين ومتخصصين في مصر فإنه:

1- توجد أضرار نتيجة للملء الأول والملء المتكرر للسد بعد فترات الجفاف، ولفواقد السد من بخر وتسرب، واحتمالات استخدام مياهه فى الزراعة.

2- أي نقص لإيراد النهر ستضطر معه مصر إلى استخدام مخزون بحيرة ناصر (جنوب) للتعويض حتى يُستنفد، ويلي ذلك نقص في الاستخدامات المائية المصرية.

3- بوار مساحات كبيرة من الأراضى الزراعية، وانخفاض منسوب المياه الجوفية، وتداخل مياه البحر في دلتا النيل (شمال) وتملح أراضيها، وانكشاف مأخذ محطات مياه الشرب والمصانع الواقعة على النيل، ومشاكل للملاحة النهرية، وزيادة التلوث وتهديد المزارع والثروة السمكية.

4- حتى لو اتفقت مصر وإثيوبيا على 7 سنوات لملء السد، ستفقد مصر من رصيدها الحالي 10 مليارات م³ من مياه النيل سنويًا.

5- أيا كان عدد السنوات التي ستلتزم بها إثيوبيا لملء بحيرة السد، فستؤثر سلبًا على كفاءة إنتاج السد العالي للكهرباء.

سابعًا: لجان ودراسات فنية

– على مدار 8 سنوات تشكلت أكثر من لجنة فنية، بمشاركة خبراء دوليين، لاسيما في 2011 و2013.

– كشفت هيئة الاستعلامات المصرية (رسمية) عن تقرير فني، في مايو/ أيار 2013، قالت إنه “احتوى على 4 تحفظات تتعلق بسلامة السد والتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية على الفئات الفقيرة في مناطق إنشائه، وتحفظات تتعلق بتأثيره على الموارد المائية لدولتي المصب وقلة تدفق المياه إليهما، وهذه أمور تحتاج إلى مزيد من الدراسات التفصيلية من جانب الحكومة الإثيوبية لمنع الآثار السلبية للسد”.

– بعد سلسلة جولات تفاوضية، اتسمت وفق الهيئة بـ”التعنت الإثيوبي”، تم الاتفاق صيف 2014 على تشكيل “لجنة وطنية” لدراسة السد من الدول الثلاث.

وبعد اجتماعات فنية وقع قادة الدول الثلاث، في مارس/ آذار 2015، اتفاق المبادئ، والاتفاق على إتمام الدراسات الفنية والتوافق على مخرجاتها، والاحتكام لبيت خبرة عالمي لتقييم السد وتحديد آثاره المحتملة.

بعد جولات تفاوضية للاختيار بين مكتبين استشاريين، هولندي وفرنسي، تم الاتفاق على مكتب فرنسي، أصدر تقريرًا استهلاليًا في 2017 حول الآثار السلبية للسد على مصر والسودان من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ولم يتم الكشف عن تفاصيل التقرير غير أن مصر تتمسك بنتائجه، مقابل تحفظ إثيوبي سوداني.

تعثرت المفاوضات بسبب “تعنت إثيوبي”، وفق مصر، منذ صدور التقرير، رغم اجتماعات ثلاثية عديدة خلال 2018 لوزراء الخارجية والري ومدراء أجهزة المخابرات في البلدان الثلاث، تخللها رفض إثيوبي لدخول البنك الدولي وسيطًا في المفاوضات.

أعلنت مصر، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فشل المفاوضات الفنية، مطالبًة بوسيط دولى، قبل أن تقرر بعد لقاء زعيمي البلدين عودتها، أواخر الشهر.

وأعلنت كل من القاهرة وأديس أبابا والخرطوم موافقتها على حضور اجتماع في واشنطن، الأربعاء، دعت إليه الولايات المتحدة الأمريكية، على أمل التوصل إلى “اتفاق قانوني” ينهي النزاع حول سد “النهضة”، الذي بلغ حد تحذيرات وتلميحات متبادلة بحرب.

 

الأناضول

اضف تعليق

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي