رئيس التحرير

راجي البرامج والخطط!!

الأربعاء 09-10-2019 12:01

كمال الهِدي

كتب

· الحديث المنقول عن رئيس الوزراء الدكتور حمدوك مربك، بل مخيب للآمال.

· فقد نُقل عن الرجل الذي عول عليه السودانيون كثيراً ودشن فترته الانتقالية بعبارة “معاً نستطيع أن نعبر”، نُقل عنه قوله أنه ما زال ينتظر برنامج قوى الحرية والتغيير لكي يبدأوا في التطبيق!!

· أهم سؤال يفترض أن يدور في أذهاننا ونحن نسمع مثل هذا القول هو: “طيب ما ظل يحدثنا به دكتور حمدوك ووزير ماليته طوال الفترة الماضية ده كان شنو”!!

· ما أفهمه أن الأكاديميين المنهجيين والخبراء لا يطلقون الكلام في الهواء كبعض (حبرتجية) السياسة وجهلاء القوم.

· لذلك عندما كنا نسمع دكتور حمدوك، أو وزير المالية دكتور ابراهيم البدوي يتحدثان في قناة فضائية، مؤتمر صحفي، أمام المنظمة الدولية، أو بأي مكان آخر ظللنا نعتقد أنهما لم يوافقا على تولي المنصبين أصلاً إلا بعد الاتفاق على برنامج اقتصادي واضح لبلد عقد الجهلاء واللصوص والفاسدون مشاكله.

· الرجلان يملكان خبرات لا تخطئها الأعين.

· وهما مؤهلان تماماً لتقديم الحلول العلمية المدروسة لمشاكلنا الاقتصادية.

· لكن يبدو أن ما ينقصهما هو نفس ما يعاني منه الكثير جداً من الخبراء وأصحاب الكفاءة السودانيين.

· فالسودان ليس بحاجة لدرجات علمية تُبهر الناس لأن لدينا منها ما يفيض.

· ولا ينقص البلد أصحاب الخبرات الدولية في مختلف المجالات.

· لكن ما نحتاجه حقيقة هو أن يتجرد هؤلاء ويخلصوا لقضية الوطن ويؤمنوا إيماناً قاطعاً بأن مواردنا أكثر من كافية لأن نصنع دولة حديثة مثلما فعل آخرون غيرنا وبإمكانيات أقل بكثير عما لدينا.

· أقول ذلك لأن ما رشح بالأمس عن وزير المالية بأنهم استلموا مليار ونصف دولار كمساعدات من السعودية والإمارات ملأني احباطاً لأنني تطلعت وتعشمت كغالبية أهل السودان في أن يخرجنا هؤلاء الخبراء الاقتصاديين من وهدتنا وأن يعيدوا لنا كرامتنا التي أهدرها (الساقط) البشير.

· أيعقل أن يعود خبيران دوليان من وظيفتيهما المرموقتين ليقفا في ذات الصف الذي سبقهما إليه بعض فقراء العلم والمعرفة انتظاراً للمساعدات!!

· لم يقصر المخلوع فيما مضى في تبشير الناس بمليار يأتي من قطر وآخر يُحول من السعودية أو الإمارات.

· وبعد أن خلع أشاوس وكنداكات السودان البشير سمعنا حميدتي يعيد على مسامعنا ذات حديث المساعدات.

· أفليس مُحبطاً أن يردد من انتظرناهما بكل العشم نفس العبارات والمفردات!!

· أضف لما تقدم إعلان بعض المؤسسات الدولية عن رفضها تقديم قروض جديدة للسودان ما لم يسدد ما عليه من ديون أثقل بها اللصوص خزينتنا العامة.

· ويزداد الوضع سوءً وظلمة بحديث انتظار برامج قوى الحرية والتغيير الذي صدر عن الدكتور حمدوك.

· لست من النوع الذي يتعجل النتائج.

· وأعرف أن أي ضغط من الشارع على رئيس الوزراء قد يدفعه للاستقالة، طالما أن من رشحوه للمنصب لم يزودنه ببرنامج اقتصادي واضح المعالم.

· قد تأتي لحظة يقول الرجل فيها حمدوك لقرارة نفسه “ألقاها من الشارع ولا من قوى الحرية التي جاءت بي”!

· فما الحل إذاً؟!

· الحل في رأيي ألا يشغل دكتور حمدوك باله بالكثير من أعضاء قوى الحرية والتغيير بالرغم من ترشيحهم له.

· فالوطن أهم وأبقى.

· وليعتمد رئيس الوزراء على القلة من أصحاب الضمائر الحية في قوى الحرية.

· ولتكن حاضنته الشعب طالما أن بعض قادة الحرية والتغيير يتعاملون بمثل هذا الاستهتار مع مطالب الثورة.

· وما دام الرجل قد قال بعضمة لسانه في وقت مضى أنه لن يتردد في رفض أي من مرشحي قوى الحرية للمناصب الوزارية، ليستعيض عن ذلك بمن يراهم الأنسب، فعليه الآن بعد أن تصدى للمسئولية أن يتجرد ويخلص لقضية الوطن فقط ويكون جسوراً وصلباً بما يكفي لمواجهة الصعاب.

· ومثلما ظللت أقول لكل رئيس جديد في نادي الهلال بأن عليه أن يركز مع الجمهور وما يريده، وينسى افتراض أن الصحافة هي الوسيلة الوحيدة لحماية نفسه، أنصح حمدوك بأن يعتمد على الثوار بعد الخالق علا شأنه.

· فقد خُذل هؤلاء الثوار في الكثير من مواقف قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين منذ ليلة فض الاعتصام.

· وزادت خيبة الأمل فيهم بعد تلك السانحة الكبيرة التي أتاحتها وقفة الجماهير غير المسبوقة في الثلاثين من يونيو.

· وبدلاً من استغلال ذلك الزخم لتصحيح مسار الثورة، آثروا أن يستمروا في (الخج) والحلول الوسطى التي لا تشبه الثوار ولا تستحق كل تضحياتهم العظيمة.

· قوى الحرية والتغيير لا يُمكن أن ينظر لها كخير مطلق للبلد، رغم الجهود المُقدرة التي بذلوها في قيادة الحراك.

· ففيهم من تواطأوا في صياغة وثيقة دستورية جعلت الثوار ينتظرون تفضل العسكر عليهم بالموافقة على هذا المرشح أو ذاك لرئاسة القضاء أو منصب النائب العام.

· وفيهم الكثير من الشباب الذين علق عليهم السودانيون آمالاً كبيرة، لكنهم خذلوا شعبهم في (أول لفة).

· بالأمس القريب عندما قال وجدي صالح أن مصالح الشعب السوداني مع حلف السعودية والإمارات، سُئل الرجل عمن دعموا العساكر في قتل الثوار، ليقدم وجدى إجابة باهتة لا طعم لها ولا لون “لن نزايد على دماء الشهداء”!!

· ده مش يا هو كلام الطير في الباقير الذي كان يردده جُل مسئولي نظام المخلوع بالله عليكم، أم تريدوننا أن نوهم أنفسنا ونجمل الحديث!!

· ما معنى العبارة في مثل هذا السياق!!

· لو كان وجدي صادقاً لأجاب “دماء الشهداء دي أنسوها خلاص”.

· الثائر يقدم إجابات واضحة وصريحة لكل سؤال يواجه به ولا يتهرب بمثل هذا الكلام عديم النكهة.

· وقد كنت يا وجدي قوياً في كلماتك ورصيناً ومقنعاً جداً في أوقات مضت، فما الذي تغير؟!

· الأغرب أن وجدي اعترف بأنهم لم يُسلموا دكتور حمدوك سياسات بديلة للحكومة، زاعماً أنهم سوف يفعلوا ذلك في الأيام القادمة، وفي ذات الوقت قال أن هناك مؤامرات حقيقية داخلية وخارجية لاجهاض الثورة وخلق حالة من عدم الاستقرار!!”

· نعلم يا أخي أن هناك مؤامرات ضد ثورة السودانيين، لكن ألا تعتبرون أنفسكم جزءً من هذا التآمر وأنتم تقودون الحراك على مدى تسعة أشهر دون أن تعدوا برامج وسياسات بديلة!

· من الذي فتح الثغرات للمتآمرين في هذه الحالة غيركم!

· قبل أكثر من عام من انطلاقة ثورة ديسمبر قدم الصديق الدكتور فيصل عوض خطوط عامة لاستراتيجية شاملة لما بعد الانقاذ.

· وكتب حولها أكثر من مقال وضحها فيهم بالتفصيل نقاط الاستراتيجية، داعياً مختلف الخبراء السودانيين بالتعاون معه حتى تكون الخطط والسياسات والبرامج البديلة جاهزة لكي لا ينطبق علينا المثل “وقف حمار الشيخ في العقبة” بمجرد إزالة النظام.

· كما ناشد الدكتور الشباب مراراً وتكراراً حتى قبل أن تلوح في الأفق مؤشرات هّبة ديسمبر بأن ينظموا أنفسهم لتحمل مسئولية إدارة الدولة في الفترة المقبلة.

· وبعد أن أهمل الناس ما أشار له فيصل، كتبت من جانبي مقالين قبل بدء هذه الثورة توسلت فيهم الخبراء والكفاءات السودانية المختلفة للتعاون معه حتى نُعجل بإسقاط البشير ونظامه ونكون على أتم الإستعداد لفترة ما بعد حُكم الكيزان البغيض.

· فلماذا حدث ذلك الاهمال للبرامج والعمل المؤسس، هل لأسباب تتعلق بغيرة المتعلمين السودانيين التي أوردتنا مهالك عديدة، أم لأننا لا نرغب في الخروج من الدائرة المفرغة لأشياء في نفوس بعض السياسيين؟!

· وإذا كان الدكتور فيصل كفرد واحد قد جهز تلك الاستراتيجية الشاملة حتى قبل أن تبدأ ثورة ديسمبر فما بال قوى الحرية والتغيير التي قادت الحراك تفشل في ترشيحاتها ووضع برامجها قبل وقت كافِ، حتى لا نقع في المحظور!

· قوى الحرية ضمت أيضاً الوزير الثائر والمناضل الذي كان جسوراً جداً في مناهضة نظام الطاغية، الأستاذ مدني الذي أحبطنا حين رأيناه بجانب الصحفي (مُقدم البرامج التلفزيونية) محمد عبد القادر الذي استضافه مع آخرين لمناقشة مستقبل البلد.

· مستقبل سوداننا يناقشه من ساهموا في افساد حياتنا طوال العقود الماضية!

· يا للهوان.

· لن أمل من ترديد عبارة أن كل من وظفهم حزب المؤتمر اللا وطني لقيادة الرأي العام في البلد وخداع وتضليل الناس لا يحق لهم الحديث عن ثورتنا ولو بصورة عابرة، دع عنك أن يخوضوا في حوار حول مستقبل البلد يُستضاف له قادة الثورة.

· وأرجو أن يكف بعضنا عن ترديد الأسطوانة المشروخة بأن فلاناً أو علاناً من هؤلاء ظل ينتقد أداء حكومة البشير ويكشف بعض أوجه فسادها ولهذا يحق لهم اللحاق بركب الثورة.

· فقد كنا نطالع لضياء الدين والهندي ومزمل وحسين خوجلي وحتى الرزيقي وإسحق والطاهر التوم نفسه شيئاً من النقد لأداء حكومة البشير، فهل نبرئهم جميعاً من الانتماء لحزب الفاسدين ونقبل بهم كقادة رأي عام في سوداننا الجديد الذي ننشده!!

· إن قبلنا بذلك فلا بد أن نسأل أنفسنا سؤالاً هاماً ومحورياً: لماذا ثرنا إذاً ضد الطاغية ونظامه طالما أنهم كانوا يُفسحون كل هذه المساحات للنقد؟!

· معنى ذلك أننا كنا ناكري جميل حين انتفضنا ضد نظام (ليبرالي) وهبنا كل هؤلاء الإعلاميين (المخلصين الصادقين الشجعان).

· قوى الحرية تضم بعض منتسبي تجمع المهنيين الذين انطبق عليهم المثل المصري (فص ملح وداب).

· ففي الوقت الذي سكب السودانيون دموعاً سخينة وهم يشاهدون جثث الشهداء الذين ظلوا في حساب المفقودين طوال الأشهر الماضية، لم نر منهم سوى بيانات الشجب.

· ما توقعت أن ننسى بهذه السرعة تلك المشاهد المروعة التي ملأت الجميع حزناً وألماً.

· ما زالت صورة الشهيد البطل عباس فرح وهو يتحدى رصاص الغدر ويصر على الموت واقفاً في حراسة الترس راسخة بذهني، مثلما هي معشعشة في عقول الكثير من السودانيين.

· وما زال الحزن يخيم على الكثيرين ممن تابعوا وشهدوا تلك الساعات المروعة لفض الاعتصام.

· ما ذنب شبابنا وبناتنا الذين امتدت لهم أيادي الغدر في تلك الليلة الظلماء، وكيف هو شعور أهلهم وأصدقائهم وهم يتابعون هذا التخاذل المخجل للعديد من قادة الحراك!!

· لكل ما تقدم أرى يا دكتور حمدوك أن أمامك فرصة لدخول التاريخ من أوسع أبوابه.

· هذا إن أقدمت على عمل الصواب.

· وبالمقابل ستلوث كل تاريخك لترافقك اللعنات إن لم تستغل هذه الفرصة كما يجب، ولو أفسحت المجال لبعض المخربين لكي يستبيحوا البلاد ويحيلون نهارها ليلاً.

· أعلم أنك خبير اقتصادي محنك و(فاهم) وتعلم تماماً ما يجب القيام به.

· فماذا لو قدمت نموذجاً جديداً لكاغامي رواندا في قارتنا الأفريقية!

· إن عقدت العزم واستهديت برب العباد فصدقني ستجد دعماً مُذهلاً من هذا الشعب الصابر.

· وضع البلد لا ينفع معه مسك العصا من المنتصف.

· ولا بد من موقف واضح ومسعى جاد لحل المشاكل بصورة جذرية.

· وأنت أدرى منا بأنه لا المساعدات ولا القروض يمكن أن تقدم حلاً.

· فلماذا لا تنفذ برنامجاً اقتصادياً طموحاً وجاداً وأنت الخبير الاقتصادي الذي عمل بالعديد من المؤسسات الدولية!

· كاغامي رواندا لم يكن ملاكاً ولا فاقكم علماً ومؤهلات وخبرات.

· لكنه امتلك العزيمة وتجرد لخدمة بلده بعيداً عن المتآمرين والساعين دوماً لإبقاء الفقير فقيراً.

· قاد الرجل بلده ليصبح رقماً عالمياً فأجبر كل العالم على التعامل معه بإحترام.

· ولو أنه سلك طريق مساعدات ودعم الأشقاء لظلت رواندا تلك (الخرابة) التي خلفتها الحرب الأهلية على ذات الحالة إلى يومنا هذا.

· إن عقدتما العزم أنت ووزير ماليتك سنصفق لكما جميعاً وستدور عجلة الاقتصاد بأحسن ما يكون ولن تجد القوى التي أتت بكما سوى تقديم العون غصباً عن بعض المتخاذلين والمتواطئين، فإرادة الشعب التي فرضت على البشير التنازل عن الحكم لن تعجز عن تصحيح مسار بعض ضعاف النفوس في قوى الحرية أو أي من أحزابنا.

اضف تعليق

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي