رئيس التحرير

أنياب الديمقراطية

الخميس 12-09-2019 16:24

كتب

قال الرئيس المصري الراحل أنور السادات أن “الديمقراطية لها أنياب أِشرس من الدكتاتورية”. هي فعلا لها أنيابها ولكن ليس بالخصم من حقوق الإنسان، وليس بطريقة السادات.كان السادات رئيسا منتخبا،لا شك في ذلك، ولكن بتلك الطريقة من الانتخابات التي لا تسمح بوجود أكثر من مرشح واحد فقط للمنصب،ولا تزيد مساحة الحرية المتاحة للناخب على تخييره بالتأشير على كلمة نعم في بطاقة التصويت إن كان يرغب في انتخاب المرشح ،أو على على كلمة لا في نفس البطاقة إن كان لا يرغب في المرشح. طبق نميري هذا النظام القبيح سنين عددا في السودان مع تضييق أكثر بحيث يحمل الناخب بطاقة عليها رقم تسجيله في كشف الناخبين مما يتيح معرفة من قال نعم ومن قال لا. منتهى العبثية حتى جاء نميري بشريعته ليصبح رئيس الجمهورية مسؤولا أمام ألله سبحانه وتعالى مباشرة وليس أمام أي جهاز بشري. الديمقراطية تحمي نفسها بالقوانين التي تحارب التخريب والإرهاب والتفلت المجتمعي.في بريطانيا هناك قانون يناهض “الاتصالات الخبيثة” لكن هناك حملة لوضع قانون أكثر ردعا من قانون الاتصالات الخبيثة الذي لا يتجاوز حد عقوبته القصوى الستة أشهر. في العالم المثالي، تسير العدالة والديمقراطية دائماً جنباً إلى جنب، ولكن في العالم الحقيقي، يجب أحيانا اتخاذ قرارات صعبة، مع الأخذ بعين الاعتبار ما يمكن للناس أن يضحوا به من أجل الصالح العام.
جمعتني في الخرطوم بحري قبل نحو سنتين مناسبة اجتماعية مع أخي الأكبر مولانا عبدالمحمود الحاج صالح الذي لم أتشرف بلقائه منذ عدة سنين. جرنا الحديث للعهر الإعلامي الذي كان يمارسه حسين خوجلي وآخرون في فترة الديمقراطية الثالثة وتعرضهم البذيء لرموز النظام الديمقراطي حتى طالت هذه البذاءات رأس الدولة نفسه. كان النائب العام، وهو المنصب الذي كان يشغله مولانا عبدالمحمود نفسه، من ضمن المستهدفين بتلك الحملات البذيئة.سالته لماذا لم يتخذ إجراء قانوني ضد الأوصاف والألفاظ الساقطة السوقية التي كان يستخدمها حسين خوجلي وصحيفة ألوان التي كانت لوحدها مدرسة في السقوط وسوء الأدب، فحرية الكلمة لا تعني سوء الأدب على ذلك النحو الممنهج الذي مهد لإنقلاب 30 يونيو العسكري 1989. كان من رأي مولانا عبدالمحمود إنهم كانوا في ظل نظام ديمقراطي لا يحد من حريات الناس وعلى وجه الخصوص حرية الصحافة وحرية الكلمة. لم يتح الظرف يومذاك ولا بعده مواصلة ذلك النقاش.
معلوم أن “سقوط الدكتاتورية لا يعني ان الديمقراطية ستحل بديلا طبيعيا ناهضا من تلقاء نفسه”. النضال من أجل تشييد أركان الديمقراطية وتثبيت قواعدها لا يقل أهمية عن النضال من أجل إسقاط النظم الإستبدادية. التثقيف على حماية الديمقراطية أمر جوهري لأن الشعب الجاهل لا يستطيع حماية الديمقراطية الوليدة. تكرار الانتقاص من مجلس السيادة بنفس الطريقة التي حدثت في الديمقراطية الثالثة وتكرار نفس تجربة الإعلام المتسخ أمر يجب ألا يسمح به ويجب أن تردعه القوانين. ليس بالضرورة أن تكون حماية الديمقراطية من عمل عسكري مباشر ولكن الحماية من الإِشارات الناعمة الخبيثة. لا بد من قانون يمنع ويردع مثل هذا التفلت. الدوس بالقدم على العلم السوداني من بعض أو أحد القلة القليلة التي تجمعت لمناصرة الرئيس المخلوع فعل لا بد أن يردعه القانون. تبجح علي الحاج بأنه سيمزق الوثيقة الدستورية التي توافق عليها أغلبية أهل السودان قول لا بد أن يردعه القانون. التطاول على أعضاء مجلس السيادة وهم رأس ورمز الدولة لابد له هو الآخر من فعل رادع . وهلمجرا.
لا بد من أنياب تردع الساقطين أو “المتفلتين” و”المندسين” بلغة هذه الأيام، فحرية الكلمة لا تعني سوء أو قلة الأدب ولا تعني السماح من جديد بتكرار تجربة العهر الإعلامي الذي صاحب الديمقراطية الثالثة ومهد للإنقضاض عليها.

اضف تعليق

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي