رئيس التحرير

هل هو الود أم الإعتذار المتأخر؟

الخميس 12-09-2019 11:50

كتب

البعض قد يطول سفره بدول المهجر تاركاً وراءه والديه لسنين طويلة إلى أن يأتي أجل أحدهما فيأتي مسرعاً للعزاء، وكان الأفضل عدم الإنقطاع عنهما مهما كلف الأمر، حيث لا قيمة للحضور بعد ذلك، ففي حياتنا الكثير من الأشياء تأتينا وتُتاح لنا، لكن برغم هذا تكون لا قيمة لها، فقط لأنها جاءت متأخرة، فعندما نسقي زهرة ميتة، فالماء لا يحييها، والإعتذار عموماً دَينٌ يجب سداده والتحلي به، ولكنه لا يجدي نفعاً إن جاء متأخراً.
رجع الملك إلى قصره في ليلة شديدة البرودة، ورأى حارسًا عجوزًا واقفًا بملابس رقيقة، فاقترب منه الملك وسأله: ألا تشعر بالبرد؟ ردَ الحارس: بلى أشعر بالبرد، ولكني لا أملك لباساً دافئاً، فقال له الملك: سأدخل القصر الآن وأطلب من أحد خدمي أن يأتيك بلباسٍ دافئ، فرح الحارس بوعد الملك، ولكن ما إن دخل الملك قصره حتى نسي وعده، وفي الصباح كان الحارس العجوز قد فارق الحياة وإلى جانبه ورقة كتب عليها بخط مرتجف: (أيها الملك، كنت أتحمَل البرد في كل ليلةٍ وأنا صامد، ولكن وعدك لي بالملابس الدافئة سلب مني قوتي وقتلني).
في المقابل يبقى بعض الناس في الدنيا كرصيف مهمل، لا يلتفت إليه أحد، فإذا مات أحدٌ من هؤلاء، فاضت المحابر والحناجر بالود المتأخر، فبعض الود والإعتذار المتأخر فاقد لنصف قيمته، كقهوةٍ باردة لا فائدة منها، إنها خدمات بعد الموت، وقد يكون الميت لا وجود له بين مجتمعه عندما كان حياً، خصوصاً إن كان فقيراً أو مسكيناً أو لكونه غير متعلم ولا رأي له، يهمله الناس ولا يسألون عنه، فيتذكرونه فقط بعد موته، وقد يندمون كثيراً لإنقطاعهم عنه، ولكن لا ينفع الندم بعد ذلك، فالموت هادم اللذات، وقد نغضب على أحد في حياته ولا نوليه اهتماماً، ونرضى عنه بعد موته، وكأن الموت شرط الرضا.
أحد الأخوة يقول : كنت أذهب مع أخي الأكبر إلى المدرسة، وأنا طالب في المرحلة الثانوية، كنت لا أحب سماع الأغاني وأخي يسمعها دائماً، وفي كل صباح كنا نمر بالقرب من مقبرة ، وكان يغلق الصوت عند مرورنا بها، وفي أحد الأيام سألته : لماذا تغلق الأغاني عند مرورنا بالمقبرة؟ فقال: (نحترم الأموات)، قلت: والحي الذي بجانبك لماذا لا تحترمه، أليس الأجدر أن تترحم عليهم وتقرأ لهم شيئاً من القرآن بدلاً من توقف الأغاني فقط؟ علمت ان الناس تحترم الأموات ولو لم تعرفهم، ولا تحترم بعض الأحياء وهي تعرفهم، لا أدري إن كان لزاماً أن يحتاج الناس للموت ليخرج الذين من حوله، سخِر من ذلك أحد المفكرين فحكى تلك المقولة المشهورة:
مات جاري أمس من الجوع وفي عزائه ذبحوا الخراف، وردة واحدة أيها الأحياء لإنسان على قيد الحياة ، أزهى وأنبل من باقةٍ كاملة على قبره، وكما تذكرون محاسن موتاكم، فلا تنسوا أن للأحياء محاسناََ تُذكر وتُشكر، فتحدثوا إليهم وعبروا لهم عن مشاعركم الآن قبل فوات الأوان، ولنكن كشجرةِ الياسمين التي لا تتعِب أحداً في البحث عنها، لأن عبيرها العَطِر يدل عليها، كذلك بعض البشر، يعرفهم الناس بما يفوح من عظمة مواقفهم وطيب أفعالهم وجميل عباراتهم، فالأيادي التي تمتد بالخير للآخرين لا تبيت أبداً فارغة، والكتاب الذي تقرأه لأول مرة وتتفاجأ بما فيه رغم أنك أنت مؤلفه، هو كتابك يوم القيامة فأحسن تأليفه.

د. عبدالله إبراهيم علي أحمد
خبير المناهج وطرق تدريس اللغة الإنجليزية
us_ abdo @hotmail. com

اضف تعليق

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي